السبت 9 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 10 مايو 2003 مع ارتفاع درجة الحرارة هذه الايام وبدء العد التنازلي لنهاية الفصول الدراسية، اخذت اخبار العراق المحتل تتراجع نسبياً ليس في وسائل الاعلام فحسب،، بل في اهتمامات الناس الذين انصرفوا الى شئون شتى، اهمها بداية مواسم الاجازات واقلها تصليح المكيفات وصيانة السيارات قبل السفر براً لتمضية عطلة الصيف. هل يعني تقدم اخبار سارس وخريطة الطريق على اخبار العراق المحتل ان الحالة هناك على ما يرام، طبعاً لا، وليس الدليل هو القناصة الذين يصطادون بعض الجنود الاميركيين، ولا عودة بعض التحف المسروقة الى مكانها الطبيعي في بغداد، وايضاً ليس وصول آل بريمر الى العراق كمسئول لاعادة الاعمار، ان المشكلة الاهم هي فقدان الامان وهذا ليس مصطلحاً عسكرياً، بل فقدان الامان الصحي حيث ان جائحة كوليرا ضربت الجنوب في وقت تجتهد فيه منظمات اطالة العمر في جعل متوسط عمر الشخص من خمسين الى ستين سنة! استغرب كيف للناس ان تنسى بهذه السرعة حدثاً مروعاً كاحتلال وطن، والاغلب انهم لم ينسوه، بل انهم تناسوه وانطلقوا الى تلك الاسواق التي يرتادونها في مثل هذا الوقت كل سنة، وليبدأ موسم الشراء حيث الهدايا من صنف ما قل ثمنه وعلا شأنه او كبر حجمه، لأن العين تأكل وتحب الهدية الثقيلة، لكن موظفات الحجز في مكاتب الطيران الرئيسية والفرعية لا تعنيهن اخبار الحروب والضروب والسارسات او خرائط الطرقات لانهن مشغولات بالرد على اسئلة المراجعين ولا يصيبهن الملل جراء تكرار نفس العبارة: ما في محلات. وهي عبارة كفيلة بفتح حوار بيزنطي بين رب الاسرة وموظفة الحجز التي تستخدم كافة الاطراف والحواس لديها فالسماعة على اذنها اليسرى مضغوطة بين الكتف والرأس واليد اليسرى تنقر على ازرار الكمبيوتر بينما يدها اليمنى تدون بعض الارقام على ورقة امامها ولسانها لا يتوقف عن ترداد ذات العبارة «ما في محلات» وهي لعصفورين بحجر واحد او لسان واحد حيث يمكن للزبون الواقف امامها ان يسمع العبارة وكذلك للشخص المتصل على الطرف الاخر من الخط، بينما قدمها تتحرك بعصبية تحت الطاولة لطول الضغط على مشطها او لشدة توترها، وبين هذا وذاك لا ترفع عينها عن الساعة المشنوقة اعلى الجدار المقابل لمكتبها منتظرة بفارغ الصبر ان تدق الواحدة لتخبط السماعة في وجه المتصل ومن ثم لتغلق الدرج بعدما تعيد اليه شيئاً من القرطاسية ثم تنقر نقرتين على جهاز الكمبيوتر فيتوقف عن العمل فتخطف حقيبتها المتدلية على طرف كرسيها الازرق ثم تهرول خارجاً لتلحق الطريق قبل الزحمة وهي ترمق طابوراً من الجالسين بيأس في مكتب الشركة ثم تضيف عبارة جديدة الى الكليشة السابقة قائلة: ما في محلات من هون لشهرين. اغلب الظن انها غير معنية بالاخبار ولا يشكل فرقاً لديها ظهور الصحاف او ضياع صدام حسين، لانهما لو طلبا منها حجز مقعدين الى واشنطن لاجابت دون تردد: ما في محلات من هون لسنتين، وهي لا تقصد ان العراق سيظل تحت رحمة حكومة انتقالية لمدة سنتين، بل قالت ذلك حتى تقطع الامل في نفوس اليائسين باعتبار السنتين اكثر مرارة في الانتظار من شهرين. مسكينة تلك الموظفة فهي تعتقد ان الجو خارج مكتبها سيكون اكثر رحمة، لكنها سرعان ما ستجد صيفاً لاهباً في الطريق وازدحاماً على الاشارات والدوارات، تراها هل تعود ادراجها، ام ستكمل الطريق؟! الطريق طويل للذين داخل عراقاتهم ام خارجها، واليأس يشبه شخصاً بامتعة قليلة في احدى المحطات ينتظر راحلة تقله الى بر امان. وحيث يوجد امان لا تجد على الجدران عبارة ممنوع التدخين، بل تجد: ما في محلات.