السبت 9 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 10 مايو 2003 ليست العوائق المرورية وحوادث السير وحدها تمثل مفاجآت الطريق التي يحذر منها رجال المرور في حملات التوعية ويدعون السائقين ومستخدمي الطرق الى توخي الحذر من الوقوع في براثنها. فالواقع ان هناك الكثير من المواقف والطرائف وكذلك المواجع التي يصادفها المرء خارج البيت لم يحسب لها بل لم يضع في اعتباره ان يتعرض لها ويجد يوماً نفسه في مواجهة مع موقف يشكل صدمة الى ان يفيق ويتأكد ان ما حدث له كان حقيقة وان بدت هذه الحقيقة في اماكن اخرى من الحوادث العرضية العادية التي لا يقفون عندها كثيراً ،كتلك التي حدثت معي ذات ليلة في مواقف سيارات جمعية الشارقة التعاونية وتحديداً فرع حلوان الذي يشهد زحاماً شديداً يزداد مع نهاية الشهر حيث يقبض الموظفون رواتبهم وتكون فرصتهم للتبضع وتأمين مؤن الشهر. هناك حيث كنت اهم بالحركة اقتربت شابة عربية منقبة من السيارة وطلبت الحديث، ظننتها ـ كما هي العادة ـ في هذه المواقف التي اصبحت ارضية خصبة لممارسات مللنا ومل القراء معنا ونحن نتحدث عنها وهي التسول الذي اصبح ظاهرة تراها بوضوح اشد في اسواق وطرقات الشارقة اكثر من غيرها. اذ اصبح من المشاهد المألوفة اقتراب فتيات «منقبات» متشحات بالسواد من الاعلى الى اخمص القدمين خليجيات وغيرهن من اي سيارة تقل مواطنين ومواطنات ـ تحديداً ـ وفي غير حياء او خجل يبدأن بسرد قصص وهمية عن احوالهن واحياناً يدخلن في موضوع السؤال مباشرة دون مقدمات يطلبن العون المادي. مشهد مسيء للغاية لا يزيد عليه سوءاً سوى منظر ذلك الرجل «الملتحي» الذي يجلس خلف طاولة تحمل شعار احدى الجهات الخيرية وقسائم يعطيها لمن يتبرع ويدفع. هذا المشهد الذي سئمنا ونحن ندعو الى ازالته واستئصاله من مداخل الجمعيات التعاونية، فقد بات يشكل تشويهاً متعمداً يصر عليه البعض من المؤسسات والجمعيات الخيرية «المتسولة». فلم تعد هذه المعسكرات تقتصر على مواسم معينة كشهر رمضان مثلاً، رغم ان لهذه الجمعيات مقار وعناوين معروفة للجميع ويسهل عليهم الوصول اليها. ولنعد الى المنقبة التي كان طلبها مخالفاً لما ظننت فلم تسأل نقوداً بل هاتفي للتحدث الى زوجها الذي زعمت انه تأخر عليها ولديها طفل رضيع تركته في المنزل. بتردد مبطن وشهامة ظاهرة اعطيتها الهاتف وانا جالسة في السيارة انتظرها وفي الخلف يجلس اطفالي الذين لم تنتبه «المنقبة» لوجودهم ـ ثم تظاهرت بعدم تمكنها من سماع صوت الطرف الثاني من ضوضاء الطريق فابتعدت قليلاً ثم اطلقت ساقيها للريح والهاتف معها. اطفالي شعروا بما يحدث فلم ينتظروا مني شيئاً ـ بل فتحوا الابواب، وهبوا لنجدة «النقال» وهم يلحقون بالفتاة التي يبدو انها لم تحسب لسرعة ثلاثة أشقياء تمكنوا من اللحاق بها وهم يجرون عباءتها وخشية الفضيحة وانكشاف امرها ألقت بالهاتف ولملمت عباءتها واختفت. كل ذلك حدث في ثوان، لم اتمكن من استيعاب الموقف الا والصغار يلهثون وهم يعيدون اليّ الهاتف فرحين بالنصر الذي حققوه على «لصة الهاتف» او «حرامية المواقف». عدنا الى البيت ورغم حالة الذهول قررت بعد حين نسيان ما حدث واعتباره مفاجأة من مفاجآت الطريق او حتى مفاجأة مواقف السيارات. ولكن اي نسيان والشهود هنا اطفال صغار الذين تعهدوا بنقل ما حدث الى الاهل والصديقات، فما ان يرن الهاتف حتى يتكفلوا برواية ما حدث بالتفصيل لكل متصل والتركيز بالطبع على موقفهم البطولي في استعادة الهاتف وكانوا في النقل اشبه بوكالة بث اخبار. المشكلة ان الامر لم يتوقف عند حد نشر ما حدث، بل الابتزاز اليومي الذي اتعرض له على ايدي الصغار والحاحهم في تلبية مطالبهم المؤجلة حتى نهاية العام الدراسي، ومعايرتهم المستمرة بأن هاتفي كاد ان يكون في خبر كان. لولا الشجاعة التي اظهروها والفطنة التي ابدوها في مواجهة الموقف!! حالة تمنيت معها لو تمكنت المنقبة من الفرار بالهاتف ولا مسلسل الذل الذي اعيشه على ايدي الصغار، وعهد قطعته بعدم الاستماع لغريب.