أبجديات، بقلم: عائشة ابراهيم سلطان

السبت 9 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 10 مايو 2003 لا يجب ان يمر درس العراق القاسي هكذا وكأن زلزالاً لم يكن، كما مر من قبله درس 1967 المدمر، ونكبة 1948 واحتلال عاصمة عربية حتى القلب وفي وضح النهار عام 1982 عندما دخل شارون بجيشه الى قلب بيروت، فإذا مر درس العراق دون ان يهز مواتنا وبؤسنا الابدي فإن علينا ان نعترف بأننا امة تستحق ما يحل بها، فهكذا امة تستحق هذا المصير المخزي فعلاً! نحن لا نجلد ذاتنا، ولا نمارس لذة الألم والحزن، لكننا نفتش عن اثر لزلزال بغداد فلا نجد ساكناً قد تحرك في بحيرة الركود العربي، الديكتاتوريات تنعم بالبقاء، واللعب بعقول الشعوب مستمر، والحكي الذي بلا طعم ولا لون مستمر حيث الجميع يلعنون صدام حسين، ويزايدون على الولايات المتحدة في كشف المستور من جرائمه وطغيانه وكأنهم في منأى او كأن ايادي الجميع نظيفة من دماء شعوبها! في مقالته الاخيرة يقول الاستاذ (غسان تويني) في جريدة النهار: «لقد اعلن عن العثور في احد السجون العراقية عن آلة او ماكينة لفرم الرجال، اين منها براميل الاسيد التي القي في احدها المعارض اللبناني الشيوعي فرج الله الحلو .. نحن لا ننسى، يكمل تويني! هذه هي الحقيقة، فآلات التعذيب، وسلب الحقوق، والتعدي على ثروات الاوطان، ومصائر الناس بالسجن الظالم مرة، وبالقتل المتجبر اخرى، وبالاخفاء والطرد والنفي والمطاردة في المنافي ثالثة ورابعة وغيرها.. هذه ملامح من صورة مشوّهة لانظمة حكم تعشش في الجغرافيا العربية، وهي ليست أفضل حالاً من صدام حسين، يبقى ان صدام حسين كان الصورة الأكثر وقاحة لأنظمة الحكم الشمولية الديكتاتورية في العالم العربي، والحاكم الذي استنفدت منه اميركا اهدافها فصار عبئاً عليها وعلى مخططاتها، فكان لابد من اسقاطه تمهيداً للقاطرة الاميركية الصهيونية المعربدة في طرقات الشرق الاوسط والتي لا تريد ان يقف في وجهها شيء! وما لم تعترف بعض الانظمة العربية بواقعها السياسي السيئ، وبعلاقتها المبتورة بشعوبها، وبطغيانها وفساد بطانتها، وتراكم فواتير الديكتاتورية فيها، فإن القاطرة الاميركية لا تسير بالنفط فقط، انها تتحرك بقوة نصف مليون جندي مدججين بأحدث الاسلحة واكثرها فتكاً، الولايات المتحدة مهووسة بقوتها وباحتلالنا والانظمة الشمولية هي من تمنح الولايات المتحدة الشرعية والمسوغات للانقضاض على العالم العربي دون ان تفكر هذه الانظمة ولو للحظة في الاستفادة من درس: صدام حسين، وانهيار بغداد، واحتلال العراق وتقسيمه على مرأى العالم، وخطاب الحكومة الاميركية عالي النبرة تجاه سوريا ولبنان وايران! ان صدام حسين لم يولد من رحم امه ديكتاتوراً، ولم يقرر بينه وبين نفسه ان يكون قاتلاً بلا رحمة، وطاغية مملوءاً بالنرجسية وجنون العظمة، لقد وَجَدَتْ بذرة انحرافه ارضاً خصبة، كانت الخمائر جاهزة وهي ما ساعدت العجينة على الانتفاخ حد الانفجار، صدام صناعة محلية عراقية عربية بحتة تم اضافة كثير من اللمسات والكماليات الديكتاتورية عليه من قبل دول عظمى، وللاسف فإن اكثر من رسم صدام طاغية وصنماً هم كثير من المثقفين العرب، والفنانين العرب والاعلاميين العرب، فمن كان منهم بلا خطيئة فليرجم صدام بحجر خاصة اولئك الذين كتبوا فيه قصائد المديح والعشق والغزل، ومن الذين رفعوه الى مرتبة الاولياء والانبياء واكثر من ذلك!! الديكتاتور لا ينمو في الفراغ، ولا يأتي من الفراغ، انه صناعة محلية بقطع غيار مستوردة احياناً كثيرة، وعلينا ان نعترف بأننا في كل مكان نصنع طاغية وصنما، لأننا لم نتعلم بعد هذا العمر الطويل من الحضارة ان نكون احراراً نملك مصائرنا ونخضع لحكومات تسير امورنا لا تقودنا كقطعان الماشية، هذا هو درس العراق الذي يجب ان نعيه ونحفظه، ان لا نستمر بكل هذا العمى العربي المزمن في صناعة الطغاة في كل مكان، في المنزل والعمل والمؤسسة والحكم والاعلام و.. ثم نذهب الى اميركا مولولين نطلب مساعدتها في ازالة الاصنام التي صنعناها بأيدينا.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات