السبت 9 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 10 مايو 2003 يعيش العالم حاليا، في مختلف مناطقه وقاراته، واحدة من اكثر الفترات اضطرابا وتهديدا للامن والسلم الدوليين، خاصة مع انفلات الامبراطورية الاميركية واعتمادها الكلي على «حق القوة»، خارج اي شرعية أو توافق دولي. وتؤكد التجارب الماضية وتطورات الاوضاع الراهنة، ان وجود «سلاح رادع» لدى أي قوة كبرى او بلد مهما كان حجمه وقدراته الاخرى، هو الوسيلة الانجع والاكثر ضمانا للاستقرار العالمي ومنع اي عدوان او مغامرة عسكرية كبرى يمكن ان تشكل تهديدا للامن الجماعي. ففي فترة «الحرب الباردة» شكل التوازن بين القطبين الاميركي والسوفييتي عامل استقرار دولي، رغم الحروب والصراعات الصغيرة التي كان الجانبان يخوضانها او تخاض بالنيابة عنهما في هذا البلد او ذاك من بلدان العالم الثالث. وفي الوقت الحاضر نجد ان الولايات المتحدة بكل قوتها وجبروتها، تفضل «الخيار الدبلوماسي» وتتجنب لغة التهديد والوعيد في تعاملها مع كوريا الشمالية، رغم تصنيفها لها ضمن «محور الشر» إلى جانب ايران والعراق (سابقا!). وليس هناك تفسير منطقي واضح لذلك سوى امتلاك الكوريين الشماليين أسلحة غير تقليدية وصواريخ بعيدة المدى قادرة على حمل هذه الاسلحة، على الرغم من ان مستوى التسلح الكوري غير التقليدي لا يزال غير مؤكد، وفي احسن الاحوال غير مكتمل. والشيء ذاته ينطبق على الهند وباكستان اللتين اوشكتا على الاحتراب اكثر من مرة خلال السنوات الاخيرة، الا ان الرادع النووي لدى كل منهما وقف حائلاً دون ذلك وبدأتا مؤخراً في التهدئة التي قد تقود إلى تعايش اكثر استقراراً في المستقبل. اما في المنطقة العربية، فإن اسرائيل التي تمتلك ترسانة ضخمة من اسلحة الدمار الشامل، استطاعت ان تحول خشيتها من ان «ترمى في البحر» إلى هيمنة عسكرية جعلت العرب جميعاً يلوذون باعتبار السلام معها بمثابة «خيار استراتيجي»، بدلاً من المقاومة واستعادة حقوقهم المغتصبة ولو بالقوة اذا دعت الضرورة! وهنا يصبح التساؤل مشروعاً: كيف تحمي الدول العربية امنها واستقرارها، بل ووجودها، بدون توفر اي رادع حقيقي وفعال في عالم منفلت يعيش حالة غياب كلي لأي شرعية دولية؟! ربما كانت المحاولة العربية الوحيدة لخلق نوع من الردع او التوازن العسكري هي ما حدث في العراق خلال عقد الثمانينيات الفائت، الا ان رعونة قيادته السياسية وتخاذل الدول العربية الاخرى ومحاربة القوى الخارجية لمثل هذا التوجه، كل ذلك ادى إلى تدمير هذه المحاولة في مهدها واعادة العراق إلى مرحلة ما قبل الصفر! غير ان كل ذلك لا يبرر ان يبقى العرب مكشوفين امنا ووجودا في ساحة الضياع وتحت ضغط التهديدات المباشرة وغير المباشرة.. إلى مالا نهاية! ان الخيار الوحيد امام الدول العربية، هو ان تسعى، مجتمعة او عبر مجموعات اقليمية متكاملة، لتحقيق حد ادنى من الردع العسكري الذاتي والفعال، وليس من خلال استيراد اسلحة تقليدية مكبلة بالقيود التكنولوجية والسياسية التي تجعلها عديمة الفائدة، بل عبئا اضافيا على ميزانياتها وشعوبها دون مقابل! من دون ذلك، لا بديل سوى مزيد من التهميش وانعدام الوزن، إلى حد التلاشي سبيلا إلى الفناء!