السبت 9 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 10 مايو 2003 مشهد الجنود الأميركيين وهم يحملون صناديق الاقتراع على رئيس وأعضاء المجلس البلدي في الموصل يبعث على الرثاء على زيف الديمقراطية التي تسعى واشنطن لترويجها في العراق، وهي دليل جديد على ان الاحتلال لا يصنع حرية وانما يستهدف اطلاق سحابات دخان من الوعود الجوفاء لضمان تمرير مخططاته. البنتاغون اعلنت عن تقسيم العراق إلى ثلاثة قطاعات عسكرية تخضع لسيطرتها وتتولى بريطانيا وبولندا قطاعين منها ثم عدلت الفكرة وقالت ان التقسيم سيكون على اربع بالتوازي مع تنصيب حاكم دنماركي على ما اسماه جنوب شرق العراق. الخطة المعلنة هي اشراك نحو 16 دولة في إدارة وحكم العراق وتوزيعه باعتباره ارثاً اميركياً على «تحالف الراغبين» فيما اسمته واشنطن حفظ الأمن والاستقرار في العراق مع استبعاد اي دور للأمم المتحدة أو الدول التي عارضت الحرب وفي المقدمة فرنسا والمانيا. حفظ الأمن والاستقرار عنوان مضلل لمهمة تقسيم العراق التي تجرى الآن على دول خارجية وقوى داخلية ولعل ما حدث في الموصل اشارة بسيطة لما يعد لمستقبل الأيام. 250 ناخباً فقط اختاروا 24 عضواً ورئيساً لبلدية الموصل بمعنى ان كل عضو اختاره عشرة ناخبين والاخطر ان الاختيارات جرت على أسس دينية وعرقية ما دفع بعض المرشحين إلى الانسحاب والاعتراض امام بعض وسائل الإعلام التي تجاهل اغلبها القاء الضوء على ما دار بما يكفي لفهم الصورة. واذا تأملنا «التوليفة» التي ادت القسم امام جنرال أميركي في نادي الموصل الاجتماعي ربما نقترب اكثر من الصورة المنتظرة لعراق تتناهشه الانواء حيث ضمت تلك التوليفة التي اطلق عليها مجلس بلدي يرأسه محافظ بتعبير البعض وعمدة حسب وصف البعض الآخر «ستة عرب من الموصل، وستة من ضواحيها، ثلاثة اكراد واشوريان اثنان من داخل المدينة وثلاثة من ضواحيها وتركماني واحد وضابطان متقاعدان في الجيش». ابسط قواعد الديمقراطية ان يكون الاختيار من اوسع قاعدة انتخابية وان يكون المجال مفتوحاً امام جميع الناخبين للترشيح دون وضع شروط طائفية سواء كانت دينية او عرقية وقبل هذا وذاك ان الديمقراطية لا يمكن ان تعيش تحت سيف الاحتلال. الجنرال الاميركي الذي اشرف على «المسرحية الانتخابية» في الموصل يعلم دوره تماماً فالهدف هو تكريس سياسة «فرق تسد» التي ورثها الاميركيون عن حلفائهم البريطانيين الذين مارسوها على اوسع نطاق في مستعمرات الامبراطورية الغابرة التي افلت شمسها في السويس عام 1956. الانتخابات البلدية في الموصل «بروفة» سيتم تعميمها على باقي المناطق العراقية من الشمال إلى أقصى الجنوب، ربما مع تعديلات بحيث تتلاءم مع كل بقعة جغرافية وفقاً لظروفها السكانية. والضابط في ايقاع الأمور هو ان يجرى اختيار القيادات الجديدة على أسس تضمن اولاً الولاء التام للاميركيين واستمرار الانقسام والفرقة في نسيج الفسيفساء العراقية. وللحقيقة فإن ما يفعله الاميركيون ليس بجديد على أية قوة محتلة تسعى إلى البقاء لاطول مدة فوق الاراضي التي تحتلها. ربما يعتبر البعض ان ما جرى في الموصل وما سيجري في مدن أخرى أفضل حالاً عما كان يدور ابان حكم «البعث» المنهار عندما كانت الانتخابات مجرد ديكور لاعلان انتخاب صدام بنسبة 100% وهي نسبة لم يحظ بها حتى الانبياء وسط الناس، لكن الخطر يكمن في التفاصيل كما يقولون اذ ان تكريس الانقسامات وتحويلها إلى قانون يمشي على الأرض يظل الهاجس الاكبر على مستقبل وحدة التراب والشعب العراقي. الخطر يتمثل في اضعاف الكيان المركزي العراقي إلى ابعد حد ممكن بما يعطي صورة زائفة عن دولة موحدة في الظاهر، فيما هي مهلهلة مركزياً ودولابها المركزي اشبه ببيت العنكبوت، وهو بيت لن يصمد أمام العواصف التي ستندلع عندما تدير كل منطقة نفسها على هواها وبما يخدم الاميركيين أولاً وبعض القيادات المحلية ثانياً. اضعاف المركزية في العراق على نحو ما تخطط واشنطن سيكون تأثيره أكثر فداحة من اعتماد المركزية الشديدة ذات القبضة الحديدية على رقعة العراق الجغرافية بما تحمله فوقها من متناقضات تحتاج إلى حد أدنى من المركزية لضمان عدم حدوث الفوضى التي وقعت بعد سقوط النظام البعثي. بقاء الاميركيين في العراق لاطول مدة ممكنة ربما ييسره تجزئة البلاد إلى قطاعات اربعة أو خمسة أو حتى ستة عشر لكنه في الوقت ذاته سيخلق المزيد من المشكلات التي ستدفع إلى حالة عدم الاستقرار التي تقول واشنطن انها تسعى لتثبيتها بالاستعانة بجيوش وقوى أمن من نحو 16 دولة تشكل «تحالف الراغبين». للعراق الآن حدود مع ست دول مجاورة حالياً فإن الايدي الاميركية المتلاعبة بالقواعد الجيوبوليتيكية ستخلق عشرات الحدود ليس بالمفهوم المتعارف عليه دولياً بعد ان انقلبت كل المفاهيم مع سقوط صدام حيث سيتم تقسيم الشمال والجنوب إلى قطاعات وربما تختصر في النهاية في المدن الكبرى والمتوسطة بعد ان ظهر للجنوب شرق وغرب ووسط وجنوب الجنوب، اما بغداد فالأوراق لم يكشف النقاب عنها كلية حتى الآن. باختصار فإن المخاوف على تقسيم العراق إلى كانتونات لها من الأسباب والبراهين ما يجعلها حقيقية فمن قال انه يحق لـ «250» شخصاً فقط اختيار مجلس لإدارة مدينة كبرى بحجم الموصل؟! قد يقول البعض وهل يسمح العراقيون للأميركيين بالتلاعب بمستقبل بلادهم على هذا النحو؟ وهل سيتمكن الاميركيون من فرض تصوراتهم دون ادنى اعتراض؟ الاجابة محيرة ومقلقة في آن واحد، فالاجتياح السريع والسهل للعاصمة بغداد وما يكتنفه من غموض وحديث عن خيانات ورشاوى يجعلنا نضع أيدينا على قلوبنا على مستقبل بلد عربي بحجم ومكانة العراق بغض النظر عن الظرف الآني. كل ما نخشاه ان يتم فرض المخطط الأميركي كاملاً ونفاجأ بأن حكومة عراقية تؤدي القسم امام الرئيس بوش داخل البيت الأبيض.