ديمقراطيتنا المنهوبة، بقلم: لهيب عبدالخالق

السبت 9 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 10 مايو 2003 بالأمس سقط العراق تحت سنابك تتار العصر، وتقلبت احشاء المنطقة العربية على جمر التغيير الذي يأتي على مضض مكبلا اقدام الجميع ومحولا المنطقة العربية، الى «غوانتنامو» اوسع قليلا من تلك القاعدة الكوبية، فرأينا محاولات متعددة لاقتناص فرص بدت صغيرة من اجل فرض ديمقراطية مقننة ومشحوذة بأحجار اميركية. وقف الجميع على ركام الخراب العراقي ينتظر دوره او فتات الحرية التي سيسمح له بها، مثلما اعيدت جدولة الزمن العربي وفق اجندة أمرو ـ صهيونية لاجدال في وضوحها ولاخيار سواها. ألوان شتى صبغت الديمقراطيات التي انهمرت على العرب من قاذفات البي 52 ومن غبار المارينز الذي مازال يعجج المنطقة، فهناك وعلى اطراف العالم البعيد عن مركز الثقل العراقي، انقسم الحالمون بظهور نبي او معجزة عراقية على غرار المعجزات التي انتهى زمنها، الى شاطئين : الاول عاود الحديث عن دولة خلافة اسلامية لم تقم بعد الراشدين ويدعون لخوض غمار الموت من اجلها والداعون يتنطعون على شواطئ اللازورد الاطلسي او المتوسطي وفي دول الاحتلال نفسها، تلك التي داست على اجسادنا ونثرت الموت في شوارعنا، وهم بعد هذا يرسمون الدولة للعراقيين ويضعون شروطها كما يريد لهم الحلم ويطالبون العراقيين بخوض القتال من اجلها، وحدهم بلا حتى بضعة أحجار فما ابقى المخربون حجارة وقد احالوا العراق الى رماد محترق. اما الثاني فيحاول استهلال عهد جديد يرتبط قسرا وجبرا او اختيارا بالمحتل من اجل تخفيف الوطء على الرقبة العربية المشتهاة، وهؤلاء هم كثر ومنهم الغربيون الاوربيون الذين كما يبدو انصاعوا للعصا الأميركية ورضخوا للامر الواقع ودخلوا بيت الطاعة الابيض. قليلة هي الدول التي تيقنت انها لابد ان تفتح النوافذ وبملء ارادتها قبل ان ينسفها صاروخ اعمى، ولعل اول انتخابات قامت بعد السقوط العراقي للعالم الماضي كانت في اليمن، وليس غريبا ان تكون البداية الفتية من هناك، فاليمن مهد الهجرات السامية العربية، والعربية فقط لان اليهود ليسوا ساميين، والتنويه خشية ان يتشبث العميان بقشة نتعلق بها جميعا. في جو من التوجس والصراع بين دولة التطرف التي يريدها من تبقى من اشباح الحرب البائدة، وبين مناهضيهم، دارت معارك اليمنيين، ورغم انها كانت معارك صاخبة الا ان ادارتها نمت عن عمق سياسي وادراك بأن الهشيم هو مانشكله بنيانا ووجودا وان النار ان جاءت تأتي عليه، وللمرة الاولى نجد تطلعا قياديا عربيا لنسبة نيابية معتدلة، مثلما شهدنا وللمرة الاولى هذا الاطلاق والتكثيف الرقابي الذي يسقط كل ادعاء يمكن ان يقوم على احتكار الانتخابات. هل نجحت العملية الانتخابية بنسبة كبيرة ام صغيرة، لم تعد هي المشكلة، اذ ان الترتيب للبيت الداخلى اصبح ضرورة قصوى امام مخاطر الانزلاق في الفخ الأميركي للمنطقة، ولكن هل يمكن ان نقول اننا سنتوقف مثل زمن الساعات المضروبة على نقطة البداية أم سنتراكم كالدقائق الرملية في نفق ضيق ومظلم! بنفس التوجس نهضت محاولات تأطير الديمقراطية في دولة هنا او هناك، في الاردن توخت الحكومة استعادة ثقة البرلمان الذي تجمد حينا بعد اغلاق، وشعار الديمقراطية المقننة يتقدم الركب المهتاج، وبالطبع فان البرامج الانتخابية ترقص على نيران شتى منها الاقتصادات المنخورة، والعمالة للغرب والصهيونية المطبعة قسرا والدور القادم، ولم تخل من اللازمة الموسيقية التي عزفنا عليها لحن الهولوكست خمسين عاما، ونزفنا على ناياتها حتى عظامنا. ايام الديمقراطية تنتعش في اسواق المال الغربية، فمؤشرات البورصة ترتفع مع ابخرة بغداد المحترقة، وأجساد القابعين على نار انتظار الآتي، مؤشر نيكي يزفر رئة مثقوبة، ومؤشر كاك يرقص في احضان رعاة البقر على جمر طاحونة باريسية، وداو جونز يرمم عظامه بلحمنا الذي مروا عليه، مرٌ موت. ما الذي ينبغي ان نفعله، نحن الذين توزعت دماؤنا القبائل جميعا، قال الجميع احلامهم وطالبونا بالركوع وبالسجود لآثامهم، فتحوا رئاتنا انهارا ليغتسل الشرق القاصي والداني، وربما اخطأ المؤرخون والجغرافيون إذ رسموا النهر المقدس على ارض محضة، نحن ارض الخطايا ونحن نهرها المقدس ونحن براءتها المسفوحة، ونحن جلادوها. الديمقراطيات العربية التي استيقظت فجأة على كابوس مزعج اخذت اشكالا متنوعة بين هامش للحرية الصحفية يمتص الغضب الشعبي وبين دعوة للتفاهم على حدود البرلمانات العربية، ومابين الاثنين تتوارى حقيقة ان العرب فقدوا اهليتهم القيادية وللابد، ولم يعودوا مؤهلين سوى للقيام بدور مسرور السياف الذي سيقطع في النهاية رأس شهريار بعد ان تفقد كل الأجساد رأسها. اي لون سترتدي ثياب ديمقراطيتنا، وأي الوجوه صالح للعشاء الأخير :ديمقراطية الأفيال،أم ديمقراطية «ابرامز» أم «ميركافاه»، ام ديمقراطية الخارجين من كهوف تورا بورا، ام ديمقراطية الجلبي الذي اغتسل قبل الدخول الى «الوادي المقدس» بدماء طفل عراقي رضيع، ام ديمقراطية الكرد الذين ذبحونا وذبحوا انفسهم بألف دولار، ام ديمقراطية المخربين المنقولين بطائرات إف 16، ام ديمقراطية الوطن المنزوع الأظافر والانياب واللحم والعظم، ام ديمقراطية العرب الخائفين، ام ديمقراطية الأغبياء، ام ديمقراطية الفقراء، لك الله يابغداد، منذ كم الف عام وانت ترشفين سرابا، لتصلي في نهاية التاريخ الى ديمقراطية مذبوحة منهوبة ويابسة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات