استراحة البيان ـ ديمقراطية للبيع ! ـ يكتبها اليوم: عماد الدين حسين

الجمعة 8 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 9 مايو 2003 أحد أقربائي دائم التأخر في دفع فواتير الماء والكهرباء والتليفونات أوتسديد كل ما يجب عليه تسديده من رسوم مستحقة نظير تمتعه بهذه الخدمات .. هذا القريب يفاجأ دائما بانقطاع هذه الخدمات بعد تلقيه الانذارات المستمرة، لكنه لا يتعظ. والسبب ان لديه اعتقادا جازماً بأن هذه المستحقات التي ينبغي دفعها قد تسقط عنه فجأة بقدرة قادر، وهو ما لا يحدث ابداً بالطبع! حال هذا القريب يذكرني بحال معظم الحكومات العربية في تعاطيها مع غالبية قضايانا ومشاكلنا خاصة ما يتعلق بالاصلاح والديمقراطية .. تؤجل الامر وتتحايل عليه بكل السبل، وتستخدم كل الشماعات خاصة «الشماعة الاسرائيلية»، مستعيرة شعار «لا صوت يعلو على صوت المعركة» معتقدة مثل قريبي ان الشعب قد ينسى للابد حكاية الاصلاح والديمقراطية. الكابوس الذي اصاب هذه الحكومات الآن بعد الذي حدث في العراق، هو ان المطالبة بدفع الدين المستحق للشعب اصبح واجب السداد فوراً وبطريقة علنية لا يمكن معها التحايل او المراوغة بالطرق القديمة. والنتيجة اننا نشاهد الآن تسابقاً حكومياً عربياً من المحيط الى الخليج من اجل الايحاء ـ للخارج ـ بأن هناك حراكاً ديمقراطياً، وهكذا نجد انتخابات هنا، واجراءات هناك، بل وقرارات حكومية بانشاء لجان لحقوق الانسان، واهتمام بوضع المرأة .. الى آخر ما يمكن ان يرضي الغرب. ما يثير الحزن ان هذه الحكومات كان يمكنها التحرك قبل ذلك من تلقاء نفسها نحو شعوبها، وقتها كان سيتم تفسير الامر بأنه تلاحم حقيقي بين الطرفين وايمان حقيقي من هذه الحكومات بالاصلاح، الآن حتى لو صدقت النوايا، فان الجميع يشير للامر باعتباره تحركاً اجبارياً واستجابة للانذارات الصادرة من واشنطن، ومثلما تحمل قريبي مكرهاً رسوم التأخير في تسديد فواتيره، تتحمل الحكومات رسوم «البهدلة والتريقة» وانها تفعل ذلك فقط بعد ان شاهدت صواريخ التوماهوك تطير كالاشباح عابرة حدودها متجهة الى بغداد، او بعد ان شاهدت الدبابات وهي تطيح بالتماثيل في وسط الميادين العامة، وتحولت صور الزعماء والمسئولين الكبار الى مجرد ارقام على اوراق الكوتشينة! اما ما يثير الرثاء فهو اعتقاد الجميع حكاماً ومحكومين ونخباً بأن الاصلاح والديمقراطية مسألة سهلة وبسيطة وتشبه دخول بعضنا لاحد محلات «السوبر ماركت» وتناول سلعة الديمقراطية من احد الارفف ودفع ثمنها، ثم العودة للمنزل، وانتهى الامر! وبالتوازي يعتقد هؤلاء ان قراراً رسمياً يصدر من حكومة ما بتطبيق الديمقراطية واحداث الاصلاحات يعني ان المسألة قد انتهت، وان بلداننا ستنافس السويد والدنمارك في اولمبياد الديمقراطية التي ستقام قريباً في ساحات البيت الابيض والبنتاغون! القرارات الجمهورية والاوامر الملكية قد تصلح لاستحداث منصب او تعيين مسئول او اقامة منشأة، او بناء محطة للصرف الصحي، لكنها رغم كل ما تمتلكه من قوة ونفوذ لا تنشيء حياة ديمقراطية. يعرف الدارسون والمتابعون ان الديمقراطية والحرية لا تأتيان بقرار فهما عملية معقدة وللاسف طويلة ولها شروط موضوعية لا تتحقق بين عشية وضحاها .. ونظلم الحاكم ـ أي حاكم ـ اذا حملناه بمفرده غياب الديمقراطية عن مجتمعاتنا .. المسئولية هنا يتحملها الجميع وبالاخص النخب المثقفة وما يسمى بـ «المجتمع المدني» يتبع ذلك نشر للتعليم وتطوير حقيقي وليس اميركيا للمناهج، ووجود قوى سياسية واقتصادية واجتماعية وتوازن بين مجمل هذه القوى. وما يثير الغيظ والحنق اننا كعرب وبعد وقوع الكارثة الاخيرة في بغداد، قد نفذنا بدقة ما تريده الولايات المتحدة واسرائيل وكل اعدائنا .. اصبحنا جميعا وبطريقة «الريموت كنترول» لا نتحدث في شيء الا الديمقراطية والاصلاح، واصبح السبب الوحيد لكل مصائبنا وخيباتنا هو غياب الديمقراطية، ولا تفتح اذاعة او فضائية او مطبوعة الا ويحدثك صاحبها عن الديمقراطية ـ وهو ما افعله الآن انا ايضا مع من يقرأ هذه الزاوية! نعم غياب الحرية والديمقراطية كان سبباً رئيسياً في جزء كبير من مشاكلنا لكنه ليس المسئول عن كارثة فلسطين، او قدوم اميركا لاحتلال العراق، ربما كان تخلفنا او عدم استغلالنا لمواردنا وثرواتنا، ولكن اميركا بالتأكيد لا تضحي بجنودها وسمعتها لمجرد انها قررت تعليمنا مباديء واصول الديمقراطية! والمؤكد ان ثمة تواطؤاً فعلياً حدث بين اميركا من جهة وبعض الحكومات العربية المستبدة طوال السنوات الماضية، تسكت بموجبها اميركا عن هذه النظم مقابل حصولها على كل ما تريد في المنطقة وفي النهاية يدفع الشعب الثمن! ثم ان موال الديمقراطية الذي يتحدث عنه الجميع الآن ليل نهار يحتاج ديمقراطيين لتطبيقه، والاصلاح يحتاج اصلاحيين، فلم نسمع عن اصلاح بلا اصلاحيين، او ديمقراطية يطبقها مستبدون، فمن الذي سيتولى ذلك في الفترة المقبلة؟ هل تبادر الحكومات من تلقاء نفسها لتطبيق وصفة تعرف انها سر موتها؟! المؤكد ان واشنطن لا تريد لنا ديمقراطية حقيقية ولا يحزنون، تريد تحقيق مصالحها وكفى بغض النظر اذا تحقق ذلك على يد نظم ديمقراطية او فاشية، لكن المهم لنا كعرب ان نطور أنفسنا حتى لو كان ذلك يتقاطع احيانا مع بعض المطالب الاميركية الزائفة، لانه ببساطة لو حدث اننا قد اصبحنا ديمقراطيين فعلا فالخاسر الرئيسي هو اميركا، وقتها ستكون هناك حكومات منتخبة ستقول لا لكل الظالمين والمعتدين والمحتلين والفاسدين. وبعيدا عن التهكم الذي يطارد الحكومات العربية التي بدأت تبادر الآن الى اتخاذ بعض الرتوش الديمقراطية فأن يحدث ذلك متأخرا افضل من الا يحدث ابدا، لكن علينا ان نكون واقعيين في احلامنا، ولنبدأ بتطبيق الديمقراطية اولا في منازلنا ومدارسنا ومنشآتنا وكل ما هو صغير، اذا تحقق ذلك قد يأتي يوم نصبح فيه ديمقراطيين فعلاً لا قولاً. اما الاصرار على سياسة الرتوش والمسكنات والصراخ صباح مساء والقسم بأغلظ الايمان بأننا ديمقراطيون فهو الدليل الدامغ على اننا ابعد ما نكون عن هذا الاختراع الغامض الذي نسمع عنه ولا نعرفه! لا نريد ديمقراطية على النمط الذي يسمح بالاباحية او حرية الشواذ وتزاوجهم فيما بينهم، نريد ديمقراطية على مقاسنا وظروفنا وعاداتنا، تمنع المسئولين من الكذب على شعوبهم والاستمرار في استعباطهم، ديمقراطية تساوي بين البشر، وتمنع المسئولين من سرقة المال العام في وضح النهار، نريد ديمقراطية تجعل من يحكمنا بشراً عادياً، وليس نصف إله، نكتشف بعد فوات الاوان انه كان تمثالاً من الورق!! emadiraqi@yahoo.com

طباعة Email
تعليقات

تعليقات