دول في انحدار وأخرى في صعود ـ بقلم: د. شفيق ناظم الغبرا

الجمعة 8 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 9 مايو 2003 قد يصح القول بأن الدول أنواع، دول تسير نحو انحدار وأخرى تسير نحو صعود ودول تعيش بين البينين، الدول التي تمر بمرحلة سقوط هي تلك التي تفقد الكثير من مقومات الابداع والعصرية ومقومات التجديد، أما الدول التي تبقى في حلبة التطور فهي تلك التي تحفاظ على تقاليد التجديد ومواكبة التغير. الأمم أنواع وهكذا هو الأمر بالنسبة لارادتها وارادة بقائها وتجديد حالها. وقد صدق أحد اكثر الفلاسفة العرب حدة وعمقاً عندما خصص كتابا عنوانه: «العرب ظاهرة صوتية» هذا الفيلسوف العربي الذي كتب في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات احتجاجاً على أوضاع العرب التي يلفها الجمود وضعف التدبير وقلة التخطيط ونقص الحرية وخلط الدين بالمصالح الآنية وتذبذبها، أبدع في وصف هذه الظاهرة، فإن كان العرب «ظاهرة صوتية» فإن أعداءهم ومنافسيهم من الحضارات الأخرى ظواهر فعلية مؤثرة، بدليل تراجع العرب الدائم في الصراع الحضاري وتقدم غيرهم في كل معركة، بين الصوت والفعل وبين الصوت والحقيقة وبين الصوت والتنفيذ يقع فارق كبير من ظواهر مختلفة في حضارات الزمن. العرب اليوم كما كان الحال في زمن الفيلسوف (السعودي) عبدالله القصيمي، الذي نحتاج لاعادة دراسة ما كتبه وقاله، ما زالوا ظاهرة صوتية، فمن سمع تعليقات النظام في العراق لاعتقد ان الأرض ستبتلع القوات الأميركية دون اثر، ومن استمع للوزير الصحاف لاقتنع بأن الحرب ستطول لشهور عديدة. أما من استمع للكثير من الفضائيات لأيقن ان الشرق الأوسط على وشك الانفجار لنصرة النظام في العراق واحقاق هزيمة في الولايات المتحدة. ومن نظر للشارع العرب وقواه السياسية وتصريحات الكثير من المعبرين عنه لأيقن ان حرب فيتنام جديدة قد بدأت وان الولايات المتحدة على وشك ان تتوغل في عالم لا تستطيع قراءته أو فهمه أو الانتصار عليه، فالظاهرة الصوتية عند العرب هي تلك الظاهرة التي تؤكد مدى تمسكهم باللفظ على حساب المضمون، ومدى ولائهم للشكل على حساب الجوهر، والوعود على حساب البرامج، والاهداف على حساب الخطط، والسلاح على حساب العلم، والاتهام على حساب الحقيقة. ولو قارنا بين الأمم لوجدنا أمماً عملية وأمماً منتجة، وأمما تؤمن بنفسها من خلال نجاح التصورات وتفوق العلم وديمقراطية العلاقة، أما عالم العرب فهو عالم قلما يرى ذاته إلا من خلال بندقية أو شعار أو من خلال اتهام بمؤامرة وآخر بخيانة، هذه الذاتية التي لا تتحقق إلا بناءً على تجريح الآخر والتي تجسد تعبيرات الألم تجاه الآخر هي ذاتية من النمط الذي لا يحقق تقدماً أو وضعاً جديداً، فالهوية العربية التي تقوم على لوم الآخر دون ان تمتلك خطتها الايجابية وتصوراتها الذاتية لنفسها ومستقبلها لن تنجح في مواجهة الامتحانات المقبلة. بمعنى آخر لم يصل العرب لمرحلة الاقتناع بضرورة التقدم لأجل التقدم وبضرور البناء لأجل البناء وضرورة الاصلاح لأجل البقاء، بل ما زالوا يرون في التقدم لأجل الانتصار على الغرب أو مواجهة اسرائيل أو مواجهة «اعداء الاسلام»، أو التصدي لأوروبا، وفي هذا لن يقع البناء ولن يقع الاصلاح ولن يقع التقدم. هذا يعني ضرورة تجاوز الحالة التي تضع الأمة في معركة دائمة مع الآخرين والانتقال لحالة جديدة تسعى الأمة لتطوير ذاتها، بغض النظر عن الغرب والشرق أو اسرائيل والغرب أو الصليبيين وتاريخهم أو الدين وانتشاره، وهكذا، فالخروج من بوتقة صراع الحضارات الذي وضعنا أنفسنا فيه هو مدخل أساسي للانتقال نحو مستقبل أفضل دون ان يعني هذا التخلي عن حقوق العرب السياسية في فلسطين وفي القدس والاستقلال، ولنتذكر ان شعوباً سبقتنا قد قامت بذلك. فاليابان التي كانت تقيس حالها بالآخرين من حيث القوة العسكرية، توقفت عن بث روح الصراع مع الآخرين لصالح البناء لأجل البناء، والتقدم لأجل التقدم. الأمم أنواع وأنماط، ولهذا هناك دول تصيغ القرار الدولي وأخرى تحتج عليه، دول تقرر الحرب والسلام وأخرى لا تعرف كيف تقرر شئونها لا في الحرب ولا في السلام، الأمم أنواع: بعضها يتعلم من أخطاء الماضي ويتقدم نحو الجديد، وبعضها يعيش الماضي ويجتره كل يوم، وبعضها يفتخر بما ينجزه اليوم، وعبر التاريخ الانساني كان التغير والتأقلم أساس نجاح المجتمعات وكانت محاربة التغير بحجة ان هذا ما وجدنا آباءنا عليه هو المقتل. إن العصرية هي بالتحديد المقدرة على التجديف وسط التغير، وبينما تجيد شعوب وحضارات عديدة هذه المقدرة إلا ان مجتمعاتنا وحضارتنا العربية لم تتقن هذا الفن بعد. ـ أستاذ العلوم السياسية بالكويت

طباعة Email
تعليقات

تعليقات