الجمعة 8 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 9 مايو 2003 منذ سقوط بغداد والمشهد الذي شاهدناه على شاشات التلفزيون الذي يصور اسقاط أحد تماثيل صدام حسين ومعظم كتابنا السياسيين يعيشون حالة من التخبط في تحليلاتهم، ورؤيتهم لما يجب أن تكون عليه السياسة العربية باتجاه المستقبل، ويكشف هذا التخبط أن معظمهم لم يروا من هذا المشهد سوى جانب واحد، من هنا تأتي رؤيتهم قاصرة، ولا تساعدنا على تبين جوانب أخرى يمكن استغلالها لخلق مناخ مختلف يساعدنا على الدفاع عن مصالحنا. من تلك الجوانب الغائبة محاولة البعض تصوير موقف «جبهة رفض الحرب» من الجانب الأوروبي على أنه موقف «وقتي» سرعان ما يتغير تحت وطأة الضغوط الأميركية ونتائج انتصاراتها من جانب، وتحت وطأة الحفاظ على مصالحهم الاقتصادية وتطلعهم لاقتسام الكعكة العراقية من جانب آخر، وهو ما يكشف بوضوح أننا في العالم العربي لانزال نعيش، عن عمد وسبق اصرار، في مرحلة ما قبل غزو العراق واحتلاله خارج نطاق الشرعية الدولية، وأن كثيرا من الذين يقدمون أنفسهم على أنهم «عالمون» وخبراء يخشون من اعلان النتائج الحقيقية التي تنتظر منطقتنا العربية والعالم بعد هذا السقوط، بل ويتجاهلون ما نتج من شرخ في جدار العلاقات الأوروبية ـ الأميركية نتيجة لهذا الغزو، مع أن من يطالع ما يقال وينشر في الغرب، بل وفي الولايات المتحدة نفسها يمكنه أن يكتشف بسهولة تلك النتائج، وأنها لم تكن سوى نتيجة طبيعية لمقدمات حدثت، وأن ما رأيناه في مشهد سقوط التمثال ليس سوى جزء صغير من النتائج التي أدت اليها هذه المقدمات، وأن المسكوت عنه «عندنا» في النتائج أهم وأخطر، مع أن التفاتنا اليه يجب أن يكون الهم الحقيقي لنا بحثا عن مستقبل أفضل لمنطقتنا العربية بعيدا عن مستنقع الاعلام الأميركي المضلل الذي تريد واشنطن أن تجرنا اليه وتجر العالم كله من حولها، بمن فيهم حلفاؤها في الغرب. الخطر الأشد فتح غزو العراق عيوناً كثيرة في أوروبا على استراتيجية الولايات المتحدة القائمة على فرض سيطرة القوة على العالم بلا منازع، وأن الجالسين في البيت الأبيض لا يهمهم تحقيق انتصارات سياسية، ما دامت لديهم الامكانية لتحقيق انتصارات عسكرية سريعة وسهلة، بغض النظر عن الدمار الناتج عنها، سواء الدمار المادي الذي يدفع ثمنه الفادح الأبرياء من ضحايا القنابل العنقودية والمصنوعة من اليورانيوم المنضب، أو غيرها من الأسلحة المحرمة دوليا، أو حتى انهيار أو تقلص دور المنظمات الدولية المنوط بها الحفاظ على السلم العالمي كالأمم المتحدة التي يعتبرها السياسي المخضرم ورئيس وزراء اسبانيا السابق «فيليبي جونثالث» أولى ضحايا هذه الحرب، بالطبع الى جانب ضحايا آخرين يعترف بلا مواربة أنهم ضحايا لغباء المجموعة السياسية التي خططت وتخطط لتنفيذ تلك الاستراتيجية في البيت الأبيض. لو تابعنا ما يكتب في الغرب لعرفنا الى أي مدى نحن بعيدون عن التحليل الواعي، وأن بيننا فئة من المحللين من يغمضون أعينهم عن حقائق الواقع عن عمد، اما خوفا من قول الحقيقة أو تجنبا للمشاكل، أو لتوافق ما يحدث مع طموحاتهم الشخصية. من هنا يجب على الأقل أن نطالع بعض ما يكتب عن هذا الغزو الذي يعيدنا لزمن الاستعمار القديم، لنتعرف على وجهات نظر يمكن أن تساعدنا على فهم ما يريدون التمويه عليه، وأيضا لكشف الأكاذيب التي كانت وراء التعبئة الاعلامية للتغطية على الأسباب الحقيقية لهذه الحرب، ومحاولة استغلال بعض هذه النتائج لصالح منطقتنا، حسب رأي رئيس وزراء اسبانيا الأسبق «فيليبي جونثالث» الذي يرى أن تلك السياسة القائمة على فرض «السلام الأميركي» خاطئة وخطرة، بل هي أخطر على السلام العالمي من «الارهاب» الدولي الذي يرفع مخططو تلك السياسة شعار مكافحته، فقد أكد في مقال له قبل أيام قليلة في احدى الصحف الاسبانية الكبرى، أنه من السهل صنع الحرب: التخطيط لها وتنفيذها، ولكن صنع الأمن والسلام صعب للغاية. ويفند مواقف «بعض» الأوروبيين الذين أيدوا غزو العراق ويتهمهم بالغباء السياسي وقصر النظر، وخلطهم بين الحقائق والأكاذيب لتكتسب أكاذيبهم ثوب حقائق الآخرين، لأنهم لم يفهموا موقف جورج بوش «الأب» خلال حرب تحرير الكويت عام 1991، عندما توقف عند الحد الذي سمح له به قرار مجلس الأمن، مشيرا الى أنه كان يمكن لقوات التحالف وقتها دخول بغداد واسقاط صدام حسين، لكن الخبرة السياسية جعلته يخشى حدوث «فراغ سلطة» في العراق كالذي يوجد حاليا، وهو ما يعد أخطر على أمن العالم ومنطقة الشرق الأوسط من نظام صدام وترسانة أسلحة الدمار الشامل «المزعومة». اعترف السياسي المخضرم في مقاله بما ينكره غيره، سواء في الغرب أو حتى عندنا في العالم العربي، بعقم استخدام القوة لفرض واقع معين، فقد أشار ـ كنموذج ـ الى الوضع المتفجر الناتج عن الممارسات الاسرائيلية الوحشية ضد الشعب الفلسطيني كمثال لتلك السياسة القائمة على القوة، وقال ان اسرائيل التي استطاعت تحقيق النصر العسكري على ثلاث دول عربية مجتمعة لم تستطع الحصول على الأمن، لأنها ببساطة فشلت في الانتصار على «انتفاضة» الشعب الأعزل. ومن هنا يرى أن نهاية العمليات العسكرية الأميركية والبريطانية التي جرت خلال غزو العراق ليست النهاية للوضع هناك، ولكن الأخطر هو فرض الهدوء والأمن من خلال السيطرة على الوضع في العراق داخليا في ظل «احتلال عسكري أجنبي» يمثل وجوده خرقا يوميا للشرعية الدولية، ويرى في محاولات الولايات المتحدة جر دول أخرى للمشاركة في هذا الاحتلال سعيا الى الحصول على هذه الشرعية التي فشلت في الحصول عليها كغطاء لعملية الغزو نفسها، وحذر من الاستجابة للمطلب الأميركي في هذا الصدد. هوة تتسع تحدث فيليبي جونثالث أيضا في مقاله عن الهوة بين أوروبا والولايات المتحدة التي يرى أنها هوة حقيقية كانت خافية قبل غزو العراق، وبدأت في الاتساع حاليا، ويرى أن كل المحاولات المبذولة حاليا للتغطية على وجود هذه الهوة لم تنجح، ولا يتوقع لها النجاح، لأنها لا تقتصر على الخلاف في الرؤية السياسية فقط، بل تتعداها لتطال خلافات جذرية حول دور منظمات دولية واقليمية مهمة تجمع الجانبين، كحلف الأطلسي والأمم المتحدة، وأكد أن هذا الخلاف الأوروبي الأميركي قديم، ولكن جاء غزو العراق ليخرج هذا الخلاف الى العلن. مقال رئيس وزراء اسبانيا الأسبق ليس سوى نموذج لكثير من الكتابات التي تكشف عن اختلاف وجهات النظر بين أوروبا والولايات المتحدة، واختياري لها ليس انتقائيا لتأكيد وجهة نظر واحدة. على الجانب الأميركي نفسه نجد أيضا من يؤكد وجود هذا الخلاف، بل وينظر ويبرر وجوده، ويؤكد في الوقت نفسه أن عملية غزو العراق ليست سوى جزء من الاستراتيجية الأميركية القائمة على استراتيجية مختلفة تماما عن الاستراتيجية الأوروبية، مما يؤكد وجود خلاف عميق في الرؤية بين الولايات المتحدة وأوروبا. فقد صدر مؤخرا كتاب بعنوان «القوة والضعف» من تأليف «روبرت كاجان» أحد مستشاري الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان، واحد موظفي وزارة الخارجية البارزين في تلك الفترة، يعلن المؤلف منذ البداية أن الحرب العالمية الثانية أخرجت أوروبا من التفكير القائم على استخدام القوة لاحلال الأمن والسلام، وفي اطار هذه الاستراتيجية الجديدة خفضت أوروبا انفاقها العسكري، ووجهت هذا الانفاق لخلق منظومة اجتماعية واقتصادية قائمة على تحقيق أكبر قدر من الرفاهية لشعوبها، وبتحقيق تلك الرفاهية بدأت ثقافة جديدة تسيطر على الأوروبيين ساعدت على انتشار ما أسماه بـ «ثقافة السلم»، فيما اعتمدت الولايات المتحدة على تنفيذ استراتيجيتها القائمة على استخدام القوة من اجل تحقيق «حماية» لمصالحها الحيوية في العالم، وتطلب هذا أن تعتمد مبالغ طائلة للتسليح لتحل كقوة امبريالية محل أوروبا فيما أسماه «ملء الفراغ» الذي خلفه تخلي الدول الأوروبية عن سيطرتها القديمة خارج القارة العجوز. من هنا يرى الكاتب الأميركي أن المظاهرات السلمية التي عمت أوروبا خلال محاولات الولايات المتحدة الحصول على قرار من مجلس الأمن لاضفاء «شرعية» دولية على غزو العراق لم يكن تغيرا مفاجئا، بل جاء نتيجة لهذا التوجه الأوروبي الذي أعقب الحرب العالمية الثانية، ونتيجة منطقية لاستراتيجية سياسة حكوماتها المعتمدة على خفض الانفاق العسكري وتحقيق الرفاهية، وتركت للولايات المتحدة مهمة الدفاع عنها خلال «الحرب الباردة»، وهو ما أجبر واشنطن على زيادة انفاقها العسكري، والاعتماد على «القوة العسكرية» لفرض سيطرتها عالميا. الحليف والتابع ويعترف أن هذا الوضع خلق خلافا ازداد حدة مع محاولات الولايات المتحدة فرض سيطرتها كقوة سياسية وحيدة تمتلك وسائل عسكرية لا تماثل قوتها قوة أخرى في العالم، مما خلق شعورا بالقلق لدى بعض الدول الأوروبية التي ترى في الاستخدام الأميركي للقوة العسكرية خطرا على مصالحها. ثم يبرر الكاتب الأميركي سياسة بلاده القائمة على استخدام القوة لفرض سيطرتها السياسية بأنها نتيجة طبيعية لتخلي أوروبا عن دورها الامبريالي القديم، ويطالب الأوروبيين التسليم بالسيطرة الأميركية المعتمدة على القوة العسكرية كجزء من الواقع السياسي الدولي، خاصة ان أوروبا لا تريد أن «تتحمل» هذه المسئولية، ولذلك فعليها أن تترك القيادة للولايات المتحدة لتواجه «الأخطار» المحدقة بالغرب، والتي تمثلها بعض المنظمات والدول «المارقة». لكنه يرى في هذا الاطار أنه لا يجب أن يصل الخلاف بين أوروبا والولايات المتحدة الى حد المواجهة، وانما يجب أن تكون السياسة الأوروبية مكملة ومسهلة للمهمة التي حملتها واشنطن على عاتقها من اجل «تحقيق» الأمن للغرب، ويطالب بشكل خاص كلاً من فرنسا وألمانيا بأن تحذو حذو بريطانيا واسبانيا، وليس مطلوبا من أوروبا سوى قبول أن تكون «القيادة» في الأزمات الدولية للسياسة الأميركية، بغض النظر عن الطريقة التي يمكن بها تحقيق هذه السياسة أو نتائجها. بل وعلى أوروبا أن تقبل الدور الذي تكلفها به الولايات المتحدة كتابع وليست كحليف، طبقا لما يراه مخططو السياسة الأميركية، لأن الولايات المتحدة، في رأي كاجان، يمكنها الاستغناء عن الدور الأوروبي لو أرادت، أما أوروبا فانها لا تستطيع أن تتحرك الا تحت مظلة الحماية العسكرية الأميركية. أيضا ما يقوله كاجان في كتابه «القوة والضعف» ليس انتقائيا، بل يمثل وجهة نظر تؤكد التوجه الأميركي المعتمد على سياسة القوة في تصفية خلافاتها وفرض سيطرتها الكاملة على العالم، وهي وجهة نظر تتطابق تماما مع رؤية صقور وزارة الدفاع الأميركية برغم اصرار الكثير من محللينا على أن هناك اختلافا بين الخارجية ووزارة الدفاع، ويرفضون الاعتراف بوجود شرخ في العلاقات الأوروبية-الأميركية يمكن استغلاله لخلق توازن جديد في النظام العالمي، واستخدامه لتحقيق مصالحنا التي تتعارض مع مصالح الولايات المتحدة. ـ كاتب مصري