الجمعة 8 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 9 مايو 2003 مع اني استهجنت ـ من اول لحظة ـ اسلوب وزير الاعلام العراقي، في مؤتمراته الصحفية عن وقائع ويوميات العدوان على العراق، وبخاصة استعماله لبعض المفردات التي تندرج في باب الهجاء والسباب، واعتبرت ذلك من مظاهر الانفعال العصبي وقلة الحنكة في ادارة الحرب الاعلامية الضارية التي رافقت حرب القتل والتدمير المروعة، اقول: مع ذلك فاني استغرب ـ وانا موجع القلب ـ رقص كثير من كتابنا ورسامي الكاريكاتير العرب على إيقاع طبل الغزاة وزمرهم، ووقوفهم عند كلمة «العلوج» واتخاذها محوراً ومادة لتنويعات سقيمة من جلد الذات والسخرية اللاذعة، وكأن تلك الكلمة من اختراع «الصحاف» ومن اسباب السقوط الغامض لبغداد. ولو ان هؤلاء المتظارفين ـ في غير وقت التظارف ـ كلفوا انفسهم نظرة سريعة في بعض المعاجم، لوجدوا الكلمة متداولة ودالة، استعملها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ واستعملها خلفاء فصحاء، وشعراء بلغاء. وبداية، فان الكلمة مأخوذة من الفعل «علَج يعلُج» «بفتح اللام في الماضي وضمها في المضارع» ومعناه: غلب. يقال: «علج الفارس عدوه» ويقال: «عالجه فعلجه» اي تعامل معه وغالبه حتى غلبه. ومن معاني «عالج»: زاول ومارس، ومن ذلك قول الشاعر: ألم تر ان المرء طول حياته معني بأمر لا يزال «يعالجه» ومن معانيه ايضاً: اصلح وداوى، ومن ذلك قول الشافعي: وعداوة الشعراء داء معضل ولقد يهون على الكريم «علاجه» ومن الافعال المزيدة كذلك: «اعتلج» يقال: «اعتلج القوم»، اي اقتتلوا وتصارعوا. واعتلجت الوحش» اي تضاربت. و«اعتلجت الامواج» اي التطمت. ومن التعابير البلاغية: «اعتلجت الهموم في صدري» او كما قال ابو العتاهية: لا يزال المرء ما عاش له حاجة في الصدر دأبا «تعتلج» اما كلمة «علج» وجمعها: «علوج واعلاج وعلجة» «بكسر العين وفتح اللام والجيم» فتقول المعاجم: «العلج» هو الحمار ويستعمل اكثر لحمار الوحش السمين القوي، ويستعمل اكثر واكثر بمعنى: الرجل الشديد الغليظ. وقيل: هو كل ذي لحية، ومن ذلك يقال: «استعلج» الرجل، اذا خرجت لحيته وغلظ وامتلأ بدنه، و«استعلج» جلد فلان اي غلظ. ومع ان دلالة الكلمة لا تتضمن معنى الكفر، فانها استعملت كثيرا في وصف الرجل الجاف الشديد من كفار العجم وهو ما التصق بها وشاع عنها. وفي الحديث الشريف: «فاتني باربعة اعلاج من العدو» يريد «بالعلج» الرجل من كفار العجم وغيرهم. وفي قصة تشبيب الشاعر عبد الرحمن بن حسان بابنة الخليفة معاوية، ان «يزيد» ابنه دخل عليه غاضبا فقال: «يا امير المؤمنين» الا ترى الى هذا العلج من اهل يثرب يتهكم باعراضنا ويشبب بنسائنا؟» ومن القصص الشهيرة ان «ميسون» زوجة معاوية وام يزيد قالت شعرا تتبرم فيه بالحياة مع معاوية في قصره بدمشق وتشتاق الى البادية، وكان مما قالت: لبيت تخفق الارواح فيه احب الى من قصر منيف وخرق من بني عمى نجيب احب الى من «علج» عنيف ومن الاشعار ايضاً قول ابي اسحق الصابي: يارب «علج» اعلج مثل البعير الاهوج رأيته مطلعا من خلف باب مرتج واشهر من كل ذلك قول ابي البقاء الرندي مصوراً مأساة المسلمين، في رثائه الشهير للاندلس: وطفلة مثل حسن الشمس اذ طلعت كأنما هي ياقوت ومرجان يقودها «العلج» للمكروه صاغرة والعين باكية والقلب حيران وخلاصة القول: ان «العلج» هو الرجل الجاف الغليظ الشديد، عربيا كان ام اعجميا، مسلما كان او كافرا، وان شاع استعمال الكلمة اكثر للكافر، وبخاصة الكافر الاعجمي.