الخميس 7 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 8 مايو 2003 كان ذلك منذ أحد عشر عاما. بالتحديد في عام 1992 العام الذي كتبوا فيه رسميا شهادة وفاة الاتحاد السوفييتي وأعلنوا فيه أيضا شهادة ميلاد الولايات المتحدة بوصفها القوة الوحيدة الأعظم، في الكرة الأرضية. مثل هذا الاعلان، كان يمكن أن يؤتي خيرا عميما للبشرية: بمعنى أن تمضى القوة الوحيدة العظمى الى تكريس وتثبيت مبادئها التي سبق وجذبت اليها أنظار العناصر المتطلعة الى الحرية والتقدم في طول العالم وعرضه. ولو استمع الناس الى الشعارات التي ظل يرددها «راديو أوروبا الحرة» على مدار نصف القرن ـ هو تقريبا النصف الأخير من القرن العشرين. لعملوا على تذكير الولايات المتحدة بتلك الشعارات التي كانت ترددها تلك الخدمة الاذاعية التي مولتها دوائر واشنطن العلنية والسرية على السواء. كانت كلها تهاجم الاستبداد السوفييتي والشمولية في نظام الحكم ومقادير المجتمع تحت حكم الكرملين الشيوعي وكانت هي السلاح الأمضى لأميركا طيلة سنوات الحرب الباردة. بل كانت رأس الحربة في دعاية أميركا التي كُتب لها قصب السبق ـ كما يقولون ـ على الغريم السوفييتي المنافس الذي زالت دولته وزال نفوذه وسقطت مقولاته الأيديولوجية، والشيوعية ـ الماركسية. نكد الدهر لكن من نكد الدهر أن كل الآمال تبددت مع مستهل عقد التسعينيات. كانت أميركا تعيش ربيع الحزب الديمقراطي الحاكم في ظل قيادة شابة تمثلت في السياسي المثقف المجهول المقبل الى العاصمة الأميركية من أرياف أركنسو. أفقر بقاع أميركا حيث كان حاكما لها على مدار سنوات وبينما جاء الرئيس الجديد. ويليام كلينتون الى البيت الأبيض محملا بآمال في تجديد شباب الحكم في أميركا ـ دخل الى مكتبه الرئاسي وقد سبقته أحمال وأثقال ناجمة في معظمها، ان لم يكن في مجموعها وجملتها، عن أوجه ضعف وقصور في سلوكياته الشخصية مجسدة في فضائح نسائية وشبهات مالية ظلت تلاحقه مثل الأشباح الهائمة في الكوابيس الى أن بلغ السيل الزبى بنصب محاكمة برلمانية لرئيس الدولة ـ كلينتون في السنة الأخيرة، الثامنة من حكمه. ولأنها كانت سنة ثامنة فقد كان الأمر قد بلغ منتهاه بالحزب المنافس وهو الحزب الجمهوري الذي كان قد استقرت له أريكة حكم أكبر دولة في العالم منذ بداية السبعينيات الى بداية التسعينيات في عهد نيكسون وريغان وبوش ـ الأب ولم يقطع تواصلها ـ كما هو معروف ـ سوى ولاية واحدة، يتيمة حكم فيها الديمقراطي جيمي كارتر وكان بدوره ـ كما أسلفنا في حديث سبق ـ سياسيا اقليميا أو محليا مجهولا أو شبه مجهول جاء بدوره من ولاية جورجيا عند أقصى براري الجنوب. احباط الجمهوريين كان الجمهوريون يشعرون مع مقدم التسعينيات أنهم الأحق باستمرار الحكم بين صفوفهم. كيف لا وهم الذين حققوا نصرا في عاصفة الصحراء ـ حرب تحرير الكويت من الهجمة الحمقاء التي شنها صدام حسين في صيف عام 1990؟ كيف لا وقد استطاعوا أن يقطفوا ثمار النصر على «العدو» السوفييتي الذي كانت شمسه في تلك الفترة قد آذنت الى مغيب؟ صحيح أن سباق الحرب الباردة كان قد بدأ منذ أواخر الأربعينيات وكان النزال فيه سجالا بين البيت الأبيض الرأسمالي والكرملين الشيوعي، الا أن الجمهوريين ما لبثوا في حقبة ريغان بالذات أن كشروا عن أنيابهم وتخلوا عن سياسة «الاحتواء» التي كان قد دعا اليها كينان. رجل الدبلوماسية الأميركية المخضرم. وكان أن أعلن ريغان بغير مواربة ولا دبلوماسية ولا حتى مراعاة لأعراف الكياسة بين الدول ـ أن الاتحاد السوفييتي ـ مع منتصف الستينيات هو «امبراطورية الشر والظلام». وحين سقطت الامبراطورية، سارع الجمهوريون الى اعلان أن سقوطها انما جاء بفضل القوة العسكرية لأميركا قبل أي شئ آخر. وكان هذا التصور المرتبط بالنواحي العسكرية أمرا خطيرا. الأمر الأشد خطورة بيد أن الأخطر كان يتمثل في التصور الذي ساور أجنحة المحافظين المتعصبين الذين كنوا طويلا بين صفوف الحزب الجمهوري. هذا التصور يصفه الكاتب الأميركي الكبير نورمان ميلر في عبارات موجزة يقول فيها: ـ هؤلاء المحافظون شعروا وقتها ـ 1992 ـ أن فرصة استثنائية قد حانت ومطلوب انتهازها. ومفادها أن أميركا «بعد زوال السوفييت» قد اصبحت قادرة على السيطرة على العالم! في نفس الفترة ـ يضيف كاتب أميركي آخر هو غاي بوكمان ـ وضعت وزارة الدفاع الأميركية «في ختام عهد بوش ـ الأب» وثيقة بلور فيها صقور البنتاغون رؤيتهم لأميركا، الوضعية والدور المستقبلي في القرن الحادي والعشرين، قالت هذه الوثيقة ما يلي: ـ «ان أميركا باتت القطب المهيمن على العالم، وهي قادرة على أن تفرض ارادتها وأن تحفظ السلم العالمي من خلال «استخدام» قوتها العسكرية والاقتصادية». اللافت للانتباه أنه حين تسربت سطور هذه الوثيقة بما تحويه من تصورات مخيفة ومن «وعود» خطيرة. فقد سارع البيت الأبيض الى التوجيه بسحبها من التداول أو الذيوع بل نقلوا عن الرئيس بوش ـ الأب رفضه لهذه الوثيقة. وتنديده بمحتوياتها. أميركا وحكم العالم وأيا كانت دوافع الرئيس بوش «الأول» لهذا الرفض أو التنديد «ونحن نرى أن في مقدمة هذه الدوافع حنكة الرجل وطول تمرسه بأمور السياسة الخارجية والعلاقات الدولية» فان الوثيقة وضعت ـ كما قد نتذكر في وزارة الدفاع وكان وزيرها هو ريتشارد تشيني «نائب الرئيس حاليا» أما واضع الوثيقة وكاتب سطورها فهو بول وولفوفتز وهو الآن نائب وزير الدفاع وكان أيامها وكيلا لتلك الوزارة معنيا بالسياسات ومسئولا عن قضاياها. وربما بلغت نوازع الحنق عند عناصر اليمين الجمهوري في السياسة الأميركية ـ وقد بات يطلق عليهم وصف «النيوكونز» أو «المحافظون الجدد» بلغت الذروة طيلة عهد كلينتون الذي كانوا ينظرون اليه على أنه أضاع من أيديهم فرصة أن يحكموا أميركا أساسا ومن ثم فرصة أن تحكم أميركا العالم. وجاء 11 سبتمبر ليس صدفة اذن أن جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر وكأنها نغمة الاستهلال للحقبة الجديدة. والرهيبة أيضا من تحقيق هذا الطموح أو هذا المخطط من السيطرة الأميركية بين اليمين الرجعي المحافظ على مقاليد الكرة الأرضية. ونحن لم نصفه بالحلم بل وصفناه بأنه المخطط فالحلم رؤية أثيرية مرتبطة في متون اللغات ومادة الألفاظ والاشتقاقات بالرقة والجمال والتوق الى الأفضل. وتحقيق الطموحات المشروعة لكن الذي يحلم به «النيوكونز» هو كابوس استند الى كارثة 11 سبتمبر التي ألمت بالشعب الأميركي وقد تعاطفت معه يومها كل شعوب العالم. ولقد حملت وثيقة ولفوفتز اسمها الذي كان قد تسرب ـ كما ألمحنا ـ على شئ من الاستحياء في أوائل التسعينيات لكنه ما لبث أن ذاع واستطارت شهرته تجسده عبارة باتت الآن على ألسنة المحللين والباحثين بل انتشرت كلماتها على لسان رجل الشارع وهي: ـ «مشروع من أجل قرن أميركي جديد». يقول نورمان ميلر في بساطة مباشرة: ـ بعد 11 سبتمبر أصبحت هذه الوثيقة ـ المشروع هي السياسة المعتمدة من جانب ادارة الرئيس جورج دبليو بوش. لقد راودت أفئدة المحافظين الجدد نوازع الظفر والنصر المبين. أصبح بوسعهم أن يستولوا على العالم «نص كلمات ميلر» ولن يكون العراق سوى الخطوة الأولى ومن بعده لن يقتصر الأمر فقط على ايران وسوريا ثم باكستان وكوريا الشمالية. بل قد يتعدى الى. الصين «البحث المفصل الذي نشره نورمان ميلر في مجلة نيويورك ريفيو أوف بوكس، عدد 27/3/2003. ان ميلر يمارس أسلوب الاحتراز حين يشير الى أن الأمر لا يقتضي اخضاع كل من تلك البلدان اخضاعا كاملا أو بالطريقة الكلاسيكية، بل أن بعضها يمكن أن تمارس أميركا ازاءه سياسة السيطرة أو الهيمنة أو الشراكة المفروضة من جانب واشنطن. من جانبنا نقول أن مثل هذا الاسلوب من السيطرة أو الهيمنة المخففة أو غير المباشرة يمكن اتباعه مع بلد مثل الصين أو مع بلد نووي حتى لا ننسى مثل كوريا الشمالية، لكن ها نحن نشهد سيطرة بالأسلوب الأمبريالي التقليدي ـ أسلوب البوارج والأساطيل وزحف الجيوش البرية على طريقة القرن التاسع عشر ـ طبعا مع الاضافات المستحدثة المنتمية الى القرنين العشرين والحادي والعشرين ـ اضافات طائرات السوبر ـ نفاثة أو صواريخ أرض ـ أرض أو دبابات آخر صيحة في دنيا الهجوم والاقتحام والتدمير. هذه الغيرة التكنولوجية مع هذا كله، فثمة نقطة في غاية الأهمية بشير اليها نورمان ميلر في بحثه المنشور الذي نحيل اليه. هي النقطة التي يتوقف عندها بعض العناصر اللامعة كما يصفها أو هي العناصر التي تحاول أن تفهم ما يدور من حولها. تدور هذه النقطة على محور العلم والتكنولوجيا. في هذا الاطار يمكن أن نفهم تركيز أميركا ومحافظيها الجدد على علماء العراق ولاسيما النوابغ منهم ممن تفوقوا في مجالات الكيمياء والبيولوجيا والهندسة الوراثية وما الى ذلك من أحدث علوم العصر: صحيح أنهم ملأوا الدنيا ضجيجا في مرحلة ما قبل الغزو والاحتلال الأنجلو ـ أميركي بشأن علماء الطبيعة النووية أو المختصين في مجال الأسلحة الكيميائية أو البكترولوجية ـ لكن الصحيح أيضا، وهو ما ينبه اليه نورمان ميلر، ربما للمرة الأولى ـ ان المحافظين الجدد في الادارة الأميركية والحزب الجمهوري باتوا يتوجسون خيفة أو هم يشعرون بنوع غريب ومستجد من الغيرة ازاء ما يلمسونه، بل ويرونه رأي العين من أن مجال العلم والتكنولوجيا في أميركا صار ساحة لنبوغ وتفوق ومن ثم صار ميدانا لسيطرة ـ العناصر الأجنبية ـ غير الأميركية القادمة من وراء البحار، بل وبالتحديد من أقطار شتى بعضها فقير وبعضها نام في رقعة ما يسمى بالعالم الثالث. هنالك يحيل نورمان ميلر الى دراسة نشرتها «بوسطون جلوب» بقلم «سكوت باس» وقال فيها: ـ يعتمد البحث والتطوير في الجامعات الأميركية اعتمادا شديدا على الطلاب الأجانب «الوافدين» وخاصة في الميادين الجوهرية أو الحيوية للعلم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات «تسمى في المصطلح الأميركي ومن باب الاختصار باسم ميادين ستيم stem» ولو قيض لهذا الاتجاه أن يستمر، فلن يكون لدينا «نحن الأميركيين» سوى قلة قلية من الطلاب الأميركان ممن يحصلون على درجات في الدراسات العليا في ميادين «ستيم» المذكورة أعلاه من أجل تلبية الاحتياجات الاقتصادية والاستراتيجية والتكنولوجية للولايات المتحدة. والحاصل أنه بينما تجتذب الجامعات ومراكز البحوث الأميركية اعدادا من الطلاب الأجانب، فانها لا تجتذب الطلاب من أبناء أميركا منهم من لا يلقون ما يكفي من التشجيع ومنهم من يشق عليه مجابهة التحدي الذي تجسده هذه التخصصات المتقدمة في ميادين العلم والتكنولوجيا. وبالأرقام ـ تضيف الدراسة الأميركية ـ فقد زاد معدل الطلاب الأجانب ممن حصلوا على الدكتوراة بين عامي 1986 و1996 في أميركا في مجالات هذه العلوم المتقدمة «ستيم» أربعة أضعاف بأسرع من الزيادة في عدد طلاب الولايات المتحدة ذاتها، ويكفي أن نعلم أن نسبة 43 في المئة من درجات الدكتوراة في مجال العلوم الفيزيائية في الجامعات الأميركية نالها طلاب وباحثون من غير مواطني أميركا ولا أبنائها. من الديمقراطية الى الامبراطورية وفضلا عن هذا الشعور بالخطر ازاء ما يتهدد أميركا من نقص في الكوادر المؤهلة تأهيلا عاليا في مجالات العلم والتكنولوجيا. فثمة شعور آخر. غاية في الغرابة يرصده الكاتب نورمان ميلر حين يقول أن الثراء العريض الذي تحقق لأميركا في عقد التسعينيات «في حقبة كلينتون» مقرونا بزوال المنافس والخطر السوفييتي وقد واكبهما احساس بسكرة انتصار الغرب على الشرق والرأسمالية الشيوعية والليبرالية على الماركسية ـ كل هذا الخليط من المشاعر والملابسات أفضت بالمحافظين الجدد الذين دانت لهم مقاليد الحكم في واشنطن عام 2000 الى أن انتقلوا من حيث الديمقراطية الى حيث الامبراطورية. ومن تراث المناداة بحقوق الشعوب الى عنجهية السيطرة على أراضي وموارد هذه الشعوب. لا عجب اذن أن يقف واحد من حكماء السياسة الأميركية المعاصرة ـ السناتور المخضرم روبرت بيرد خطيبا في مجلس الشيوخ، وكان ذلك قبيل اندلاع الحرب على العراق فقال: ـ أيها السادة. اننا بحق كالسائرين نياما في دروب التاريخ. ـ كاتب سياسي من مصر