الاربعاء 6 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 7 مايو 2003 كيف يكون لدولة واحدة جيشان يخضع كل منهما لقيادة عليا مستقلة تماماً عن الأخرى؟ هذه هي العقبة الكبرى التي توقفت عندها مؤخراً عملية التفاوض بين الحكومة السودانية و«الحركة الشعبية لتحرير السودان» بقيادة جون قرنق. ورغم ان الطرفين اتفقا مع الوسطاء على استئناف التفاوض بعد اعلان فشل الجولة الاخيرة، الا ان احتمال التغلب على هذه العقبة بما قد يفتح الطريق لابرام اتفاقية سلام قبل نهاية يونيو المقبل كما يأمل الطرفان والوسطاء ضئيل جداً. واجمالاً يمكن القول انه رغم التصريحات الاعلامية التفاؤلية التي تصدر عن المسئولين على الجانبين بل ومن دول تشارك في الوساطة في مقدمتها الولايات المتحدة، فان العملية التفاوضية لم تحقق حتى الآن ما يمكن اعتباره اختراقاً رئيسياً. غاية ما تمكن الطرفان من التوصل إليه هو «اعلان مباديء» يكون مرجعية أساسية للمسار التفاوضي اطلق عليه «اعلان ماشاكوس» اشارة إلى احدى ضواحي العاصمة الكينية نيروبي جرت فيها الجولة التفاوضية الاولى قبل ان ينتقل التفاوض إلى ضاحية اخرى تدعى كرن». ولكن حتى هذا الاعلان صار محل جدل معقد عندما اثار وفد حركة قرنق ملاحظات عليه في جولة لاحقة بعد ان وقعت عليه بالفعل. احد البنود الرئيسية في اعلان المباديء يتعلق بنظام الحكم خلال فترة انتقالية مداها ست سنوات، يسمح في نهايتها لشعب جنوب السودان بممارسة تقرير مصيره النهائي بالاختيار بين استمرار الوحدة مع الشمال والانفصال ليكون الجنوب دولة مستقلة ذات سيادة. فوفقا للاعلان يكون هناك نظاما. للحكم: نظام الشريعة الاسلامية للشمال ونظام علماني للجنوب. والجدل الذي اثارته حركة قرنق بعد التوقيع على الاعلان نشأ عن مطالبتها لاحقاً بأن تستثنى مدينة الخرطوم، باعتبارها «العاصمة القومية» للبلاد من تطبيق احكام الشريعة الاسلامية. ومن ثم أضاف وفد الحركة تعقيداً إلى تعقيد بأن طالبت باجراء تعديل جغرافي على رقعة جنوب السودان لتمتد إلى مناطق شمالية متاخمة للجنوب، وتحديداً منطقة «الانقسنا» ومنطقة «جبال النوبة» ومدينة «ابيي»، مما يعتبر مخالفاً للحدود الرسمية الجغرافية للجنوب في يناير 1956 عندما أعلن مولد الدولة السودانية المستقلة. لقد انتهى التفاوض حول هاتين المسألتين إلى طريق مسدود باصرار الحركة على طلبها ورفض الحكومة. ولكن سنرى ان العملية التفاوضية توقفت لاحقاً أيضاً عند طريق مسدود في كل القضايا الكبرى المطروحة للتفاوض. باتفاق الطرفين المتفاوضين وضع الخلاف حول العاصمة القومية وحدود الجنوب على الرف ليتعذر التوصل إلى اية مساومة حوله.. وبذلك انتقلت العملية التفاوضية من اعلان المباديء الى القضايا الجوهرية المتعلقة بطبيعة المرحلة الانتقالية واوضاعها. ولنستعد إلى الاذهان اولاً ان احد البنود الاساسية في إعلان المباديء ينص على نظام فيدرالي خلال المرحلة الانتقالية يتمتع فيه جنوب السودان بحكم ذاتي موسع. وفي هذا الاطار فان هناك ثلاث قضايا مصيرية ينبغي التصدي لها: قسمة السلطة وقسمة الثروة وما اطلق عليه «الترتيبات الأمنية». وفي كل من هذه القضايا انتهى التفاوض حتى الآن إلى لا شيء سوى اتفاقات هنا وهناك على مسائل ثانوية او اجرائية. وسبب هذا الاخفاق الكبير في تقديري هو «سوء فهم» بالمعنى الدرامي المسرحي. فبينما يتفاوض الوفد الحكومي انطلاقا من تصور بأن الجنوب سوف يكون اقليماً ذا حكم ذاتي خاضع في النهاية إلى سلطة مركزية في اطار فيدرالي، فان وفد قرنق يتفاوض وكأن الجنوب على وشك ان يكون دولة مستقلة كاملة السيادة. فما يريده وفد الحركة هو أخذ كل ميزات الانفصال من المنظور السياسي والسيادي وانتقاء ميزات الوحدة دون التقيد بالتزامات الاقليم نحو السلطة المركزية. مثلا فيما يتعلق بقسمة السلطة يرفض وفد الحركة امتداد الظل المركزي إلى الاقليم، بينما يطالب في الوقت نفسه بأن يكون زعيم الحركة رئيساً مناوباً لرئيس الجمهورية السودانية. اما فيما يتعلق بقسمة الثروة فان الحركة اذ تطالب بمشاركة الجنوب في ثروات الشمال فانها ترفض الجانب الآخر للمعادلة: مشاركة الشمال في ثروات الجنوب. وأخيراً طرحت مسألة «الترتيبات الأمنية» بعد ان استحال التوصل إلى اتفاق حول اقتسام السلطة والثروة، وفي هذا الصدد أصر وفد الحركة على الاحتفاظ بجيش الحركة ليكون جيش جنوب السودان وتحت قيادة زعيم الحركة، ودون ان يخضع هذا الجيش لسلطات رئيس الجمهورية. تأسيساً على هذا كله اشك في ان يتوصل الطرفان إلى اتفاق سلام قريباً، مهما علا صوت التصريحات الإعلامية.