الاربعاء 6 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 7 مايو 2003 واخيراً.. افرجت الإدارة الأميركية عن وثيقة «خريطة الطريق» المتعلقة بتسوية الصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي، حيث سلمت نسخة منها إلى كل من حكومتي الطرفين. ومع ان اللجنة الرباعية الدولية، المشكلة من الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة ـ هي التي تولت وضع هذه الخطة في وقت سابق من العام الماضي، إلا أن صلتها بالمشروع انقطعت تماماً بعدما أصر الرئيس الأميركي جورج بوش على احتجاز «الخريطة» ورفض الافراج عنها استجابة لطلبات متكررة من الحكومة الاسرائيلية. ومن مراجعة نص الوثيقة يتبين ان ثغرة زمنية تبرز فيها. ومن المفترض، بل من الطبيعي أن ينعكس هذا الخلل لاحقاً على الجدول الزمني المرتبط بالخطة، إذا جاز لنا ان نسمي التواريخ التي تفصل بين مراحلها الثلاث المدرجة في النص، جدولاً زمنياً. فالمرحلة الأولى منها، والتي تشمل العديد من القضايا الرئيسية، وفي مقدمتها القضية الأمنية ودور الجانب الفلسطيني فيها، ينبغي ان تنتهي في شهر مايو الجاري، على ان تعقبها مرحلة ثانية يتقرر فيها قيام دولة فلسطينية مؤقتة الى جانب قضايا كثيرة اخرى ذات صفة تبادلية، وتمتد من شهر يونيو المقبل وحتى ديسمبر 2003. ولا حاجة الى القول انه لم يتم انجاز اي شيء مما تنص عليه هذه الخطة حتى الآن، باستثناء استحداث منصب رئيس الحكومة الفلسطينية (المطلوب بإلحاح من الولايات المتحدة واسرائيل)، وتنفيذ بعض الاصلاحات داخل السلطة الوطنية الفلسطينية، خصوصاً في الشأن المالي. لكن من الواضح ان الجانب الأميركي، الذي ظل يحتجز هذه الخطة منذ الربع الأخير من العام الماضي، لم يكلف نفسه، لا مراجعة الوثيقة قبل الافراج عنها، ولا التشاور مع بقية اعضاء اللجنة الرباعية في شأن امكانية إدخال تعديلات عليها لإصلاح «الخلل الزمني» الموجود فيها وجعلها مقبولة، من الناحية الشكلية على الأقل. وإذا اضفنا الى ذلك ان «الخريطة» تبدو عبارة عن مجموعة متناثرة من الافكار والتصورات والرغبات المفتوحة على مختلف الاحتمالات، بما يلغي أهمية ان تكون خطة جدية، متماسكة، مترابطة، ويمكن ان تقود الى سلام فعلي، او حتى إلى اي شيء، نصل الى استنتاج مبدئي بان الادارة الأميركية غير جادة في تحقيق تسوية للصراع العربي ـ الاسرائيلي، ولو في شقه الفلسطيني في الوقت الحاضر على الأقل. والسبب في ذلك يعود إلى ان لهذه الادارة اولويات ضاغطة تتوجه جهودها حالياً بقوة نحوها. ومن ابرز هذه الاولويات اثنتان: الأولى، تحقيق الاستقرار الكامل لوجودها العسكري الاحتلالي في العراق للتمكن من استكمال تنفيذ مخططها الاستراتيجي الشامل في المنطقة والعالم. والثانية، عدم التورط في أية قضايا قد تنعكس سلباً على معركة الرئاسة الأميركية وتهدد احتمالات فوز الرئيس جورج بوش بولاية ثانية. ومع ان حملة بوش الانتخابية تبدأ في نوفمبر المقبل، اي قبل عام كامل من موعد الانتخابات، إلا انه يبدي حرصاً شديداً الآن على التوجه نحو الأميركيين، وكأنه يدعوهم الى منحه ثقة جديدة يتجاوز بها الملابسات التي رافقت إعلان فوزه في الانتخابات السابقة. ضغط مستبعد وانطلاقا من هذا الواقع، يفقد التساؤل عن مدى جدية الإدارة الأميركية في ممارسة حفظ على اسرائيل لحملها على تنفيذ التزاماتها في «خريطة الطريق»، معناه الحقيقي. فالموقف الأميركي التقليدي الداعم للدولة العبرية يمكن ان يشكل وحده الجواب الشافي على هذا التساؤل، فكيف اذا اضفنا إليه طبيعة المرحلة الناشئة عن الاحتلال الأميركي للعراق واكتساب نفوذ الولايات المتحدة في المنطقة مزيداً من الزخم (عبر الوجود العسكري المباشر)، وايضا ما يشكله التقاء عاملي قوة رئيسيين يتمثلان في انفراد اليمين المتطرف في اسرائيل بالسيطرة على القرار السياسي من جهة، ووجود لوبي يهودي قوي في واشنطن يضغط دائما على الادارة الأميركية من جهة اخرى. وفضلاً عن ذلك فان «خريطة الطريق» نفسها لا تتضمن اي نص ملزم لاسرائيل في حال رفضت تنفيذ ما يتعلق بها في هذه الخطة او عمدت الى اسلوب المماطلة والتسويف، كما تفعل دائماً، خصوصاً فيما يتعلق بقيام دولة فلسطينية وتجميد النشاط الاستيطاني ثم تفكيك العشرات من المستوطنات التي تحول دون استكمال مشروع اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة. وبينما يمكن تصور النتائج المترتبة على عدم تنفيذ الجانب الفلسطيني التزاماته (الواردة في الوثيقة)، وهو استمرار الاحتلال الاسرائيلي والتعامل مع الفلسطينيين بوصفهم ارهابيين، كما يحدث الآن، فليس من الواضح ما يترتب على اسرائيل اذا ما واصلت الامتناع عن تنفيذها ما هو مطلوب منها في غياب اي نص ملزم. وان يكون الجواب الطبيعي على ذلك هو ان اسرائيل كانت دائما، ولا تزال فوق الشرعية الدولية ومعفاة من أية مساءلة. هذا من جهة. ومن جهة اخرى، فان الكلام المتعلق بتجميد النشاط الاستيطاني، وبما يسمى «المستوطنات العشوائية» ينطوي على خدعة كبيرة. إذ ان المستوطنين الاسرائيليين الذين اقاموا منازل متنقلة فوق عدد كبير من تلال الضفة الغربية سميت «مستوطنات عشوائية»، انما فعلوا ذلك بتشجيع وحماية من حكومة شارون. وإذا كان الهدف الرئيس من وراء هذه العمليات الاستيلاء على مزيد من اراضي الفلسطينيين،، إلا ان لها هدفاً آخر، يمكن اعتباره هدفاً تكتيكيا، وهو يتمثل في حصر الاهتمام بهذا النوع من النشاط الاستيطاني الثانوي، بينما المشكلة الكبرى تكمن في المستوطنات الرئيسية التي يزيد عددها على 150 مستوطنة وتحول دون قيام دولة فلسطينية مستقلة بسبب عدم وجود تواصل جغرافي بين أجزائها. الحاجز الأمني دائماً وفي ظل هذا التلاعب المستمر، والناشيء اساساً عن رغبة متعمدة بمنع تقدم التسوية السياسية، تواصل حكومة شارون تصعيدها العسكري في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين لمنع اللجنة الرباعية من تجاوز «الحاجز الأمني» الذي اقامته. ان اقتحام حي الشجاعية في مدينة غزة وارتكاب مجزرة كبيرة فيه زاد عدد ضحاياها على خمسين مدنياً بين قتيل وجريح، إنما يصب في سياسة التصعيد المنفذة كمحاولة لعرقلة «خريطة الطريق»، وان كانت الحكومة الاسرائيلية حاولت اظهار هذه العملية المدبرة وكأنها رد على العملية الاستشهادية الاخيرة في تل أبيب، فما تريده حكومة شارون هو تدمير البنية التحتية للمقاومة الفلسطينية، سواء من خلال الضربات الاسرائيلية المباشرة او عبر اجراءات جذرية وشاملة تنفذها الحكومة الفلسطينية الجديدة. وفي حين تدعو حكومة محمود عباس (ابو مازن) الى ضبط النفس في مواجهة التصفيات الجسدية التي تنفذها القوات الاسرائيلية ضد الناشطين الفلسطينيين واحداً بعد الآخر، تسمع حكومة شارون كلمات التشجيع والاشادة من صقور الادارة الاميركية الذين يعتبرون الاعتداءات الاسرائيلية مساهمة مهمة فيما يسمونه «مكافحة الارهاب». مهمة باول أين تقع زيارة وزير الخارجية الأميركي كولن باول الى دمشق وبيروت من كل هذا؟ برغم ان باول حمل الى المسئولين السوريين مطالب كثيرة، بينها ما يتعلق بالانفتاح الداخلي وتحقيق الديمقراطية، او بالادعاءات المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل، او بضبط نشاط حزب الله في لبنان، لكن المراقبين يعتقدون بأن ثمة مسألتين يتمحور اهتمام وزير الخارجية الاميركي حولهما: ـ المسألة الأولى، تتعلق بالموقف السوري من الاحتلال الاميركي للعراق. ففضلاً عن الانزعاج والقلق اللذين ابدتهما واشنطن من جراء انتقال مئات المتطوعين العرب الى العراق عبر الحدود السورية لمقاتلة القوات الاميركية (وقد خاض هؤلاء بالفعل مواجهات عنيفة مع قوات الغزو)، فإن الادارة الأميركية ما زالت تخشى من نشوء اجواء جديدة تشجع على المقاومة وتحفز آخرين على المشاركة في نشاطات أمنية معادية لجنودها ومصالحها في العراق. ـ والمسألة الثانية، احاطة عملية «خريطة الطريق» بأجواء ايجابية لاضفاء نوع من الجدية عليها، بما يؤدي الى استئناف المفاوضات الاسرائيلية ـ الفلسطينية، او تجديد التعاون الأمني على الأقل. واذا كان ثمة أمور عدة تدخل ضمن البند الأول، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، وقت التحريض على الاحتلال الأميركي للعراق وعدم استخدام الاراضي السورية منطلقاً لأي نشاط معاد لهذا الاحتلال الجديد، بما في ذلك منع استقبال اية شخصيات عراقية معارضة للوجود العسكري الاميركي وللسياسات الاميركية في منطقة الخليج، فإن هناك أمرين محددين يقعان ضمن نطاق البند الثاني، الاول، عدم معارضة «خريطة الطريق» وكل ما يتصل بالتحرك الاميركي الجديد. والثاني، اغلاق مكاتب منظمات المقاومة الفلسطينية في دمشق، وبالتالي منع اي نشاط فلسطيني مناوئ ينطلق من العاصمة السورية ويستهدف «خريطة الطريق» والجهود الاميركية الرامية الى تطبيق هذه الخريطة في اخراجها الجديد. ومن الواضح ان الادارة الاميركية تدرج كل ذلك تحت عنوان «المساهمة في مكافحة الارهاب»، بعدما كانت وجدت لدى دمشق تجاوباً كبيراً في هذا المجال بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001. تشويش متعمد ويرى المحللون ان اثارة ضجة حول موضوع الوجود السوري في لبنان، في هذا الوقت بالذات، وكذلك ما قيل عن المطالبة بحل حزب الله ونزع سلاحه، هدفهما ممارسة مزيد من الضغط على دمشق لضمان تنفيذ المطلبين السابقين فالمطلب الرئيسي الخاص بلبنان هو المحافظة على حالة الهدوء السائدة على الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة، والعمل على معالجة موضوع احتفاظ اسرائيل بقسم من مزارع شبعا اللبنانية بالوسائل السياسية، كما هو الحال بالنسبة لمرتفعات الجولان السورية المحتلة. والملاحظ انه تم ايراد هاتين المسألتين في «خطة الطريق» ضمن اطار «المؤتمر الدولي» الذي يفترض ان يعقد، في وقت ما، لتسوية أزمة الشرق الأوسط برمتها. وان كانت اسرائيل تبدي معارضة شديدة لعقد المؤتمر الدولي، حرصاً منها على ابقاء معالجة المشكلة محصوراً بالولايات المتحدة نفسها، وهو ما مكنها من مواصلة احتلالها للأراضي العربية حتى الآن، من دون عقبات. وعلى ذلك، فإنه يمكن توقع المزيد من الضغوط على سوريا في المرحلة المقبلة وكلما واجهت الادارة الاميركية اشكالاً جديدة من المتاعب والعقبات في العراق. وفي ظل هذه الاجواء فإن اسرائيل تصبح اكثر قدرة على المناورة وتعطيل أي جهد دولي يستهدف دفعها نحو التسوية السياسية، الجزئية او الشاملة ولا شك ان النص «المشوش» لـ «خريطة الطريق» يمنح حكومة شارون مزيداً من حرية الحركة في هذا المجال، بحيث لا تؤدي هذه الخريطة الى أي مكان.. سوى استمرار الاحتلال الاسرائيلي. وفي اي حال، فإن هذا لا يزعج الادارة الأميركية، ولا يثير اي قلق لديها ومن المؤكد ان الاحتلالين، الاسرائيلي لفلسطين، والأميركي للعراق، يكملان بعضهما تماماً. ـ كاتب لبناني مقيم في فرنسا