الثلاثاء 5 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 6 مايو 2003 في كل مرة تقرر فيها الولايات المتحدة ان (تؤدب) دولة ما على خريطة العالم، فانها تلجأ الى أمرين: شن حملة استنفار داخلي في اوساط الرأي العام الاميركي تحت عنوان كبير جداً مفاده: ان هدف الحرب على هذه الدولة هو الدفاع عن النفس فالولايات المتحدة تتعرض للتهديد والخطر من قبل هذه الدولة، حتى وان كانت هذه الدولة لا تملك أكثر من مصعد كهربائي ومئة خط للهاتف العادي، تماماً كما جيّش الرئيس الاسبق رونالد ريغان الولايات المتحدة كلها ضد نيكاراغوا البلد المهدم المحطم الذي شكل في تلك الفترة خلفية المذيعين والمذيعات في نشرات الاخبار المتتالية مصبوغا بالاحمر، دليل الخطر الآتي من هناك، وكان لـ (ريغان) ما اراد وتم غزو نيكاراغوا!! والامر نفسه حدث مع العراق كما تتذكرون جميعاً. الامر الثاني الذي تلجأ اليه الولايات المتحدة هو الضرب بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة ولا تتردد في استخدام كل المحرمات الدولية والانسانية، فقد ضربت فيتنام بقنابل النابالم المحرمة دوليا في اوائل الستينيات ما ادى الى قتل وابادة الاف الفيتناميين ومئات القرى، ويومها تكررت عبارة (الولايات المتحدة تدافع عن نفسها) وكان هذا الدفاع يتم امام انظار العالم، وامام الرأي العام الاميركي الذي كان يرى قيمة الديمقراطية العالية وهي تقصف المدنيين، وتشرد القرويين، وتجعل الاطفال يتراكضون امام الكاميرات بينما اجسادهم مشوية بالنابالم المحرم دوليا!! يومها مارس الرأي العام الاميركي ضغوطا هائلة على حكومته لايقاف الحرب والانسحاب من فيتنام، ولم يكن ذلك بسبب الوازع الاخلاقي او الالتزام الايديولوجي لدى الاميركان المعارضين للحرب، وانما لان تيارات المعارضة الضخمة لحكومة (ليندون جونسون) يومها كانت على قناعة بأن فرص كسب الحرب في مستنقع الهند الصينية وفي فيتنام تحديدا اصبحت معدومة تماما في ظل حرب العصابات التي كان يقودها الفيتناميون ببسالة، وكان الصراع بين مؤيدي الحرب ومعارضيها يقود الى تصدع الجبهة الداخلية، ما جعل هيئة الاركان الاميركية يومها تعرب للرئيس عن قلقها من مخاطر حدوث ثورة او عصيان مدني! وبرغم ذلك فقد ظلت ادارة الرئيس (جونسون) تكرر مانشيت الحرب الرئيسي (الدفاع عن أمن وسلامة الولايات المتحدة) وكان تفسير هذا العنوان الكبير واقعياً هو خشية الولايات المتحدة من حركة الاستقلال التي بدأت في فيتنام الشمالية ان تمتد الى بقية المنطقة وتحت عباءة الايديولوجية الشيوعية، ومن هنا كان تردد الادارة في انهاء الحرب التي بدأت خسائرها تزداد مع مرور الوقت، وضغط الداخل يفاقم من أزمة الادارة التي اضطرت لوقف عمليات القصف في مارس 1968، ليبدأ عام 1969 والاراضي الفيتنامية ترزح تحت اقدام نصف مليون جندي اميركي!! ومع تزايد المواجهات على ارض فيتنام، كانت الادارة الاميركية تخطط لارسال المزيد من الجنود لابقاء الهند الصينية تحت فوهات المدافع والتهديد، لكن ضغط الرأي العام لم يسعف جونسون لارسال المزيد، فما كان من الادارة سوى اللجوء الى استراتيجيتها المثالية في هذه الظروف .. لقد قرر جونسون (فتنمة) الحرب، اي تسليح وتدريب جيش فيتنام الجنوبية ليواجه قوات التحرير المتمردة على النظام. ولم تنته الحرب، لانه حسب القاعدة العسكرية معروف انك تستطيع الاعلان عن بداية الحرب، لكنك عبثا تحاول تحديد موعد نهايتها، ولان الاميركيين حسب رأي الدكتور عبدالله النفيسي يعرفون كيف يدمرون بما لديهم من قوة، لكنهم فاشلون تاريخيا وحضاريا في اعادة البناء، فان فيتنام تعرضت مجددا للقصف عام 1971 في عهد الرئيس نيكسون الذي ضربها بالنابالم وغاز السارين المحرم دوليا، واحدث الاسلحة الكيميائية التي جربت للمرة الاولى هناك .. وبرغم ذلك لم تكسب اميركا الحرب بل ضاعفت خسائرها حتى كان عام 1975، العام الذي توحدت فيه فيتنام، وسحبت القوات الاميركية، وعاد الاسرى وازيلت القواعد الاميركية نهائيا!! كانت اميركا تحارب من اجل لا شيء، لم يكن لديها قضية عادلة بالاحرى، والاهم انها واجهت عدوا شرسا يحارب على ارض يعرف مسالكها جيدا ومؤمن بقضيته تماما، لقد هزمت الولايات المتحدة وهي مازالت تعاني ازمة فيتنام حتى هذه اللحظة. الدرس مختلف تماما في العراق، لكن الأميركيين وجدوا ارضا خصبة لتجريفها من كافة مقوماتها حتى تسهل عليهم الحركة فلا تمثل امامهم غابات واحراش فيتنام مجددا، السؤال: كيف ستدعم الولايات المتحدة وجودها في العراق بعد سحب قواتها؟ وهل سيقود هذا النظام العميل الاميركان الى اشعال فتيل من نوع ما في العراق؟ Aishasultan@hotmail.com