الثلاثاء 5 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 6 مايو 2003 دخلنا عصر اللعب على المكشوف فالوزير الاميركي كولن باول لم يترك للمسئولين في القيادتين السورية واللبنانية في آن معا بقية تساؤل تجاه صفته الحقيقية بأنه «المندوب السامي» للدولة الاسرائيلية الصهيونية. هكذا تقول مطالب ـ أو بالأحرى ـ املاءات باول. فكل مطلب، ابتداء من تصفية مكاتب المنظمات الفلسطينية في دمشق الى تصفية وجود «حزب الله» هو في الحقيقة مطلب اسرائيلي صرف يبدأ وينتهي باعتبارات أمن الدولة اليهودية تمهيداً لصعودها في المستقبل المرئي كأكبر قوة اقليمية عظمى في منطقة الشرق الاوسط والعالم العربي والاسلامي. في المنظور الاميركي انطوت صفحة عهد المناورات والحديث بالكناية والمحسنات البلاغية الاخرى واسلوب التورية والمطالب المغلفة بالكساء الدبلوماسي.. ليبدأ عهد المواجهة المبني على مبدأ «افعل هذا وإلا..». حتى مجرد حقيقة الاعلان عن تدشين هذا العهد لم يشأ باول ان يخفيها او يخفف من وقعها، فقد قال على رؤوس الاشهاد اذ هو مقبل على زيارة سوريا: لقد دخلنا عصر استراتيجية جديدة في الشرق الاوسط.. ونريد ان «نساعد» سوريا على التكيف مع هذا الوضع الجديد. واذا كان باول توقف عند الحافة فلم يشأ ان يقول ان قوام الاستراتيجية الجديدة هو التمكين لاسرائيل في الارض العربية والاسلامية فان التحرك الدبلوماسي الاميركي في مرحلة ما بعد العراق بأهدافه الصريحة يعكس هذا التوجه. بعد سوريا ولبنان يأتي دور ايران كم من المرات تكرر هذا القول في وسائل الاعلام الاميركية مرة بالتلميح واخرى بالتصريح حتى قبل شن الحرب على العراق؟ وكم من المرات قيل ان هناك «قائمة اهداف» جاهزة؟ ومع ذلك ـ وللأسف ـ نرى كلا من دمشق وطهران تواصلان العزف الانفرادي. ونستطيع القول الان ان الهجمة على ايران بدأت بالفعل، فالمطالبة الاميركية باغتيال «حزب الله» موجهة الى طهران بقدر ما هي موجهة الى دمشق وبيروت. فدمشق توفر لحزب الله السند السياسي بينما توفر له بيروت مشروعية العمل القانوني وتوفر طهران التمويل. واذن فان مغزى المطالبة الاميركية بالغاء وجود «حزب الله» هو ان تنزع واشنطن من كل من الدول الثلاث ورقة استراتيجية حيوية في المجابهة مع اسرائيل. وغدا سوف يتم الالتفات بالكامل الى ايران، ايضا من اجل اعتبارات الامن الاسرائيلي، واذا كانت ادارة بوش قد قررت، ولو مؤقتا، عدم اللجوء الى العمل العسكري فيما يتعلق بالحالة السورية، مكتفية بحزمة من الضغوط السياسية والاقتصادية بما في ذلك فرض عقوبات اقتصادية وتجارية، فإن الامر مع الحالة الايرانية يختلف... ليس لان ايران هي القوة الحقيقية وراء «حزب الله» اللبناني وانما تملك برنامجا نوويا لا تملكه اي من سوريا أو لبنان. وهذا البرنامج يمثل من منظور واشنطن خطراً مستقبلياً، وليس آنيا على اسرائيل. بشهادة عالمية من «وكالة الطاقة النووية» الدولية فإن البرنامج النووي الايراني مصمم للاستخدام لاغراض سلمية، مثل توليد الطاقة الكهربائية، وتؤمن روسيا ـ التي تقدم المشورة والخبرة الفنية في بناء هذا البرنامج ـ على هذا القول. لكن ما الضمان بأن يتحول البرنامج، مع تعديلات فنية يسيرة، مستقبلا الى انتاج اليورانيوم المخصب ـ المادة الخام الاساسية لصنع قذائف نووية؟ وما الضمان الا تحصل طهران على صواريخ بعيدة المدى يمكن ان تطال المراكز الحضرية في اسرائيل؟ هذا هو هاجس كل من شارون وبوش. ولكن بعد العراق وتدشين عهد الاستعمار الاسرائيلي للشرق الاوسط، فان هذا الهاجس يتحول الان الى خطة عملية.. فلم يعد هناك الان اي ذرة شك في ان المفاعل النووي الايراني في مدينة «بوشهر» بات مرشحا لضربة اميركية قاصمة. ورغم هذه التطورات الخطيرة ورغم توقع حدوث ما هو أدهى وأمر، فان المرء ليعجب في غياب اي مسعى عربي أو اسلامي نحو موقف جماعي بحجم وقوة الخطر. انه خطر يختلف نوعاً وبالكامل عن كل ما سبقه. أجل لم يطرأ تغيير جوهري على ثوابت السياسة الاميركية تجاه الشرق الاوسط. فالولايات المتحدة كانت وسوف تبقى الشريك الاستراتيجي الاول للدولة الاسرائيلية. لكن الاستهداف الاميركي كان في الماضي محصورا في انظمة حكم معينة بالاسم. الان لم يعد الامر كذلك. فالعرب والمسلمون اجمعون مستهدفون ـ انظمة ودولا. والهدف المباشر هو حمل جميع الانظمة الحاكمة دون استثناء على الاعتراف باسرائيل والتطبيع معها. وهو هدف لا تستثنى القوة العسكرية من اجل تحقيقه. العراق، كان البداية... والان فان الهدف هو سوريا ولبنان.. وغدا ايران.. وبعد غد البقية.