الثلاثاء 5 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 6 مايو 2003 استقر العرف الدولي على المقومات الأساسية التي ان اجتمعت أصبحنا في مواجهة الظاهرة التي اصطلح على تسميتها بـ «الدولة» ومن هذه العناصر: الشعب، الاقليم، السيادة، ويضيف آخرون (الحكومة) والسيادة كعنصر ـ بمعنى السلطة ـ صاحبت كل تجمع بشري، فحيثما وجد المجتمع وجد التنظيم، فلابد إذن من وجود طبقة، فرد، .. إلخ، تتركز فيها أو فيه السلطة، والسيادة المرادفة للاستقلال، ولا يتصور اكتمال كيان الدولة دون سلطة عامة، ولكن هذه العناصر الثلاثة لا تكسب الدولة الشخصية القانونية بدون الاعتراف الذي تمنحه لها الدول الأخرى، والذي يسمح لها بدخول المجتمع الدولي. فاكتساب الدولة لهذه المقومات أو العناصر يسهل الاعتراف بها، وتسعى الدول لهذا الاعتراف لكونه الوسيلة الطبيعية لاقامة علاقات عادية منتظمة، واحدى صور ذلك اقامة العلاقات الدبلوماسية مع ان قطعها لا يعني عدم الاعتراف وعدم الاعتراف بالوحدة الدولية الجديدة (الدولة) يجعلها غير مكلفة أو مخاطبة باحكام القانون وقواعده، بينما يؤدي سحب الاعتراف إلى انهاء الشخص القانوني الدولي (الدولة). ونتيجة لتطور المجتمعات البشرية، تطور التنظيم الدولي وانشئت منظمات دولية واقليمية انتسبت إليها الدول لتحقيق المزيد من التعاون والتنسيق فيها بينها، ومن هذه المنظمات «الجامعة العربية» وكما يحلو للبعض تسميتها بـ «بيت العرب»، فقد جاء انشاؤها بعد سلسلة من المشاورات والمشاريع التي لم تر النوع كوحدة الهلال الخصيب، وسوريا الكبرى، ولكن في عام 1944 اجتمعت وفود عربية في الاسكندرية لتوقيع بروتوكول عرف باسمها، تلاه اجتماع للجنة التحضيرية في 25/9/1944 بحضور مندوبين عن كل من مصر، سوريا، لبنان، العراق، شرق الأردن، السعودية، اليمن، وعرب فلسطين، وقد قدم الوفد المصري إلى المباحثات مشروعاً متكاملاً حول «الجامعة العربية» وذلك في اتجاه لانشاء منظمة اقليمية تقوم على أساس التعاون والتنسيق إلا ان ميثاق الجامعة لم يصدر إلا في مارس 1945 وذلك بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها. وقد قام البناء القانوني والتنظيمي للجامعة على مبدأ المساواة بين الدول واحترام سيادتها واستقلالها، وان كان الميثاق لم يحدد الشروط اللازمة توافرها لقبول العضوية، إلا انه نص على ان أحد أهداف الجامعة الأساسية هو صيانة استقلال الدول الاعضاء والمحافظة على سيادتها. ويفرض الواقع الذي خلفته الحرب على العراق والتي شهدت نهاية عملياتها العسكرية تبايناً في الآراء حول مدى شرعيتها ـ خاصة كونها تمت دون قرار دولي ـ إلا ان هناك واقعاً معاشاً فرض على أرض الواقع يتطلب التعامل معه بغض النظر عما سبق، وعن مدى اتفاقه مع الشرعية، أو القبول بالنتائج التي آلت إليها الحرب، فالأمور لا يمكنها التوقف عند واقعة بعينها، واسدال الستار على بقية الوقائع، ولكن تعاملاً جديداً لمستجدات وتفاعلات عديدة لابد ان توجد، فالوضع في العراق يثير تساؤلات على أكثر من صعيد. فمما لا شك فيه ان الوضع جد مختلف عما سبق، و ضع تقوم فيه ادارة أجنبية بادارة شئون الدولة وهو ما يرتب على العراق التزامات معينة، ويحد من ممارسته لدوره المعتاد، ويتفتح الباب أمام تساؤلات على صعيد وضعه في الجامعة العربية وعلاقاته مع أعضائها، والتساؤل المهم هو كيف ستتعامل الجامعة معه؟ فمن المؤكد ان سيادة العراق تتعرض للانتقاص ممثلة بوجود حاكم أجنبي لا يمثل الارادة الوطنية، الأمر الذي يفقد العراق أحد أهم مقومات الدولة (السيادة) ولا يعرف على وجه التحديد الوقت الذي سيستمر عليه الوضع القائم حالياً، لذلك فإن مقعد العراق في الجامعة العربية سيكتنف إشغاله الكثير من التساؤلات وسيضع هذا الوضع الجامعة ادارة واعضاء أمام موقف يتعارض ومواثيقها، وسيتجاوز ذلك إلى كيفية التعامل الثنائي من خلال الاعتراف واقامة العلاقات الدبلوماسية وغيرها من العلاقات. ولعل ما حاولته الولايات المتحدة أثناء تحضيرها للحرب من ممارسة الضغوط على العديد من البلدان لطرد البعثات الدبلوماسية التابعة للحكومة العراقية ليؤكد سعيها إلى سحب الاعتراف بتلك الحكومة، ولكن الوضع الحالي يتناقض مع ذلك، حيث سيتم السعي وبكافة الوسائل للاعتراف وتسويق الوضع القائم، ممثلاً في حكومة بغداد، لشغل مقعد العراق في الجامعة العربية ومنظماتها المختلفة، تحت مسببات ودواع عديدة منها مساعدة الشعب العراقي في استعادته لتوازنه والمحافظة عليه، واعادة اعمار بلده، حتى وان كان ذلك في ظل حكومة ليس لها من سلطات سوى الادارة المدنية، بينما يستمر الاشراف الكامل على سلطات اتخاذ القرار في يد الأجنبي. هذا الوضع لن يكون محل جدل قانوني وتنظيمي ولن يتم وضع الشرعية معياراً للحكم، بل ان كثيراً من المصالح ستدفع ببوصلة هذا الجدل نحو اتجاهات تخدم البعض وتوفر الغطاء لآخرين، بغض النظر عن مشروعية ذلك واتساقه مع المواثيق والنظم. فالمصالح تتقدم أحياناً كثيرة، حتى لو ألبست لباس الشرعية الفضفاض. ـ أمين عام المجلس الوطني