الثلاثاء 5 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 6 مايو 2003 بعد التطورات المعروفة في مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني، وعقب حسم حرب العراق بسرعة فائقة لصالح اميركا وحلفائها، وبالتالي اسقاط نظام صدام حسين، أصبح واضحاً للعيان مدى سوء التقديرات والحسابات العربية الانفعالية وابتعادها عن العقلانية ومواكبة ما يجري على ارض الواقع. ولعل من المعيب الآن ان نعزو كل ما يحدث الى ممارسات الاعداء، وكأننا أمة جامدة لا تستطيع ان تحرك ساكناً، أو تدرأ خطراً، أو تمنع غزواً. وقد لاحظنا خلال التوغل الاسرائيلي في الاراضي الفلسطينية، وفي اثناء حرب العراق، ان معظم اجهزة الاعلام العربية تكاد تجمع على نقطة واحدة تتلخص بالعزف على الوتر العاطفي والانفعالي بعيداً عن الحسابات الدقيقة والتحليل الواقعي، فهي دائماً منشغلة في التأكيد، المرة تلو المرة، بأن شارون ارهابي ومجرم حرب لا يشق له غبار، وان بوش غارق حتى قمة اذنيه واخمص قدميه في دعمه، وانه لم يرسل جيوشه الى العراق، الا لارضائه. فماذا افدنا من كل هذا الهيجان الاعلامي، وهل استطاع ان يقدم او يؤخر شيئاً مما حدث؟ ثم هل كانت احوالنا قبل حرب العراق، على خير ما يرام، ولم تصبح سيئة الا بعدها؟ يبدو لي ان اوضاعنا المتردية، السابقة والحالية، ليست سوى اعراض لمرض واحد يتمثل بضعف البنى التحتية العربية، نتيجة لغياب الديمقراطية. ولا شك ان تجاهل هذه الحقيقة، والتمترس وراء التركيز على المنحى العاطفي، وعلى اثارة مشاعر الجماهير وتفجير مراجل غضبها، بدون حسابات صحيحة، ينطوي على الكثير من الديماغوجية والغوغائية، كما انه يتم على حساب منحى آخر اكثر اهمية، ويتمثل بوسائل الرد العربي العملي والعقلاني على ما يجري وسوف يجري. فمثل هذا الرد غائب عن المسرح بصورة كاملة، وقد حل محله، كما اسلفنا، اللجوء الى تهييج الجماهير، عن طريق الفضائيات والصحافة. وبتعبير آخر، فإن المبالغة في صب جام اللوم والعتاب والغضب على الاعداء، لا يفسح مجالاً رحباً للتفكير بهدوء في أسباب الاخفاقات المتكررة التي لحقت بالعرب، وفي تصور طبيعة الاجراءات والخطوات الممكنة التي يستطيعون اتخاذها لدرء الاخطار المستقبلية واحداث تغيير في المعادلات والمسارات والموازين القائمة التي تميل كفتها الى صالح الاعداء على الدوام. ونعتقد ان اي قارئ عربي، لابد ان ينتابه الملل، ويعتريه السأم، اذا ما قرأ مقالاً مطولاً، ولم يستطع ان يخرج منه بعد قراءته، الا بنتيجة واحدة، هي ان شارون وبوش يتحملان مسئولية الفشل العربي كاملة وكما أسلفنا، فإن اظهار هذا الوجه وحده من المسألة ينطوي على خطر حجب الوجه الثاني، والمتعلق بتعليل اسباب المحن وطرق مواجهتها، والمهم الآن، ماذا نفعل مستقبلاً، حتى ننقذ ما يمكن انقاذه؟ وبالطبع ليس من السهل على الاطلاق، الاجابة عن هذا السؤال، لأن المسألة غاية في التعقيد والتشابك، فضلاً عن ان كل باحث او جماعة او دولة، تنظر الى الموضوع من وجهة نظرها الخاصة، وحسب مصالحها الذاتية، وبما يتناغم مع ايديولوجياتها واتجاهاتها، وبتعبير آخر، اذا وجهنا السؤال الى بضعة اشخاص او عدة جهات، فإن كل طرف يجيب من زاوية تختلف عن الزاوية التي يطرقها الآخر. فبالنسبة لفلسطين، يرى بعضهم ان ركوب مركب الكفاح المسلح وانتهاج نهج العمليات الاستشهادية، هما الطريقان الوحيدان اللذان يمكن ان يعيدا الحقوق. ولكن فريقاً آخر، ويمثله الآن محمود عباس رئيس الوزراء، يعتقد ان سلوك مسلك المسالمة، وامتطاء صهوة التفاوض السياسي يشكلان الحل الأمثل، وثمة من يميل الى نسف فكرة الحل السلمي مع اسرائيل من اساسها، وبالتالي الغاء اتفاقيات اوسلو ورفض خارطة الطريق التي تم تسليم محتوياتها الى الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي ومن الصعب جداً ان نقرر اي الخيارات هو الافضل، وان كان الجمع بين البندقية وغصن الزيتون في آن واحد، في نظرنا يعد سيد الاحكام. وبالنسبة للعراق، يعتقد كثيرون من الناس، ان اجراء اصلاحات ديمقراطية عربية ربما يساعد على منع حدوث تدخلات اجنبية اخرى في شئوننا، بينما يرى آخرون ان التدخل واقع لا محالة، وعلى كل، مهما اختلفت الآراء حول ما حدث، وتباينت الاجتهادات بشأن ما يجب فعله، فإن هناك بدون ريب، بعض التوجهات الأساسية التي يمكن ان تلقى قبولاً لدى اكثر عدد من المفكرين والسياسيين العرب، ونحن نرى ان أسباب الواقعة التي وقعت ليست وليدة الساعة، او ابنة وقتها، بل انها تعود الى تراكمات سلبية عديدة في حياتنا الاجتماعية والسياسية. فقد تأكد الآن ما كان معروفاً من قبل، وهو ان البنيان الداخلي العربي هش ومهزوز ويمكن ان تتقاذفه الرياح في اي وقت. وكل انسان مخلص وعاقل، يعرف ان نقطة الضعف الأساسية المسئولة عن هذا الوضع تكمن في غياب الديمقراطية، ولسنا الآن بصدد الاسترسال في الحديث عن هذه المسألة، ولكن حسبنا الاشارة الى قول احد الحكماء: (ان العبد لا يحسن الكر). وبصريح العبارة، اذا لم تتوافر لأمتنا درجة كافية من الحرية السياسية، فإن العرب سيبقون عاجزين ومشلولين وغير قادرين على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية. ولنعد الآن الى موضوعنا الاصلي، فنقول ان الانتكاسات التي حاقت بالفلسطينيين، لا تشكل انتصاراً لاسرائيل او لغيرها، وهي ليست وليدة قوتها، وانما نتيجة ضعفنا. ولا يحق للدولة العبرية ان تفخر بأن طائراتها وصواريخها ودباباتها الحديثة ذات التكنولوجيا العالية، قد استطاعت ان تدحر شعباً لا يحمل سوى البنادق والقنابل وبعض الاسلحة الخفيفة الاخرى. فلو كان الفلسطينيون يملكون اسلحة متقدمة، ولا سيما منها تلك المضادة للدروع، لتغير وجه المعركة، ولأوقعوا في الاسرائيليين افدح الخسائر واشنع الهزائم، ولا شك ان موقف هؤلاء مخز ومخجل، لأن جنودهم لو كانوا يتحلون بالشجاعة والاقدام، لما احتاجوا الى كل هذا الحشد الهائل من السلاح الثقيل. وبالنسبة للنصر العسكري السريع للحلفاء في العراق، فإن سببه الأساسي، بالاضافة الى التفوق التكنولوجي الاميركي الساحق، ضعف البنى التحتية العراقية والعربية. اذن، ربما يحق لنا القول بأن هزيمتنا ليست نصراً لهم. وحتى هذا لو بدا مشجعاً لنا بعض الشيء، الا ان حاجتنا ماسة للغاية الى النقد الذاتي ومحاسبة النفس. واذا كان غياب شمس الديمقراطية عن ربوعنا العربية هو السبب بعيد المدى لما حدث، فإن هناك ايضاً اخطاء قريبة الأجل تم ارتكابها من قبل الفلسطينيين والعرب جميعاً، فالذي يريد ان يخوض معركة مع جيش متفوق للغاية، عليه ان يجري حسابات دقيقة قبل دخول ساحة الوغى، وان كنا نقر بأن منطلق النضال والتضحية لا يعير اي اهتمام لأية موازين للقوى. وهناك من جهة ثانية تقصير الدول العربية في تقديم الدعم العسكري الكافي في الوقت المناسب للفلسطينيين، وما اوردناه من الأسباب ليس سوى امثلة قليلة، او لنقل انها غيض من فيض. والشق الثاني المهم في المسألة يتعلق بما يجب ان نفعله حتى نتجنب ورطات مشابهة. وفي هذا المجال فإن اول خطوة يجب ان نخطوها، هي كما بينا سابقاً، النقد الذاتي والمراجعة الموضوعية ففي ممارساتنا العربية، السياسية منها والعامة، انحرافات واخطاء ونقاط ضعف لا اول لها ولا آخر. ولكن المشكلة ان الكثيرين من العرب على المستوى الرسمي، بخاصة لا يميلون الى الاعتراف بهذه السلبيات، ويفضلون بدلاً من ذلك، التحرر من المسئولية عن طريق القاء اللوم على الاعداء. صحيح ان شارون في محاولته وقف المقاومة، قد تنكب جادة الصواب، عندما لجأ بهمجية الى استعمال القوة العسكرية المفرطة بدلاً من التجاوب مع المبادرة السعودية العربية للسلام والاعلان عن الاستعداد للانسحاب الى حدود الرابع من يونيو وصحيح، ان بوش تجاوز الخط الاحمر المعروف في الانحياز الاميركي لاسرائيل، وتخطاه بدرجة غير معقولة، بسبب توهمه بأن بعض ما يفعله الفلسطينيون يدخل في خانة الارهاب، وصحيح ايضاً ان ما حدث في العراق، لم يكن حرباً مبرأة من المصالح الاميركية والبريطانية، الا ان الضعف العربي التقليدي، هو الذي مهد لمثل هذه التصرفات الاسرائيلية والاميركية، واتاح لها فرص النجاح. نحن اذن، بحاجة الى اعادة النظر بأفكارنا وممارساتنا، وفيما فعلناه، ونفعله، فالاعتراف بالخطأ خير من الاستمرار فيه، والكشف عن الحقيقة، حتى لو كانت مرة، افضل من اخفائها، والاقرار بالضعف، اسلم من الفخر الأجوف، والحسابات الموضوعية احسن من الادعاءات الفارغة. وهذا يعني بصريح العبارة ان الجسد العربي مريض وهش للغاية، وقابل للتداعي، لدى اول استهداف له، والسبب هو غياب النقد الذاتي والافتقار الى الديمقراطية، مما يؤدي الى انهيار جميع اوجه الحياة العربية، وتراخي مختلف مفاصلها العسكرية والسياسية والثقافية والاجتماعية. ـ كاتب سوري