الثلاثاء 5 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 6 مايو 2003 يبحث الناس عن الإجابة على سؤال مفاده لماذا سقطت بغداد هذا السقوط السريع و المفاجئ؟ ويجيبك البعض بأنها الخيانة، فلابد أن هناك (اتفاقا) من نوع ما قد حصل في الأيام الأخيرة من الحرب، وربما كان معدا له قبل ذلك، بين مجموعة من المتنفذين العراقيين في السلطة السابقة،وبين قيادة القوات الأميركية الزاحفة، جعلت سقوط بغداد ممكنا بهذه السرعة، في الوقت الذي قاومت فيه مدينة عراقية اصغر هي البصرة لفترة أطول. و تتعدد الإجابات و تختلف الرؤى، و لكن معظم الإجابات في الواقع لا تخرج عن فكرة المؤامرة المدبرة! وهو افتراض ينطلق من تصور عقلاني لا شك فيه، حيث إن ما قيل للجميع عن الإعداد غير المسبوق للاستقبال للمنازلة ضد الحلفاء، وما ردده الاعلام العراقي ومن ثم الدبلوماسية العراقية من مقدرة على الصمود، قد أوهمت أعدادا كبيرة من العرب الى درجة الإيمان الذي يقود إلى هذا التفكير المنطقي، بان هناك (ملعوبا) ما كان وراء الانهيار السريع للعاصمة العراقية الذي أدى بدوره لسقوط العراق وتلاشي النظام. و بعد قراءة ما توافر حتى الآن من معلومات، تم اكتشاف السبب الحقيقي الذي كان وراء سقوط بغداد السريع، وكان ذلك هو جنرال اسمه (الحرية) أما التفاصيل في كيف قام هذا الجنرال في الخفاء من تمكين الأميركان و حلفائهم البريطانيين من تسجيل نصر في ثلاثة أسابيع على جيش متعدد الحلقات يبلغ تعداه ملايين من البشر فيكمن تفسيره في القصة التالية. يقال إن احد سلاطين آل عثمان كان له صديق صدوق يُعزه و يريد أن يكرمه بوظيفة كبيرة، و لكن هذا الصديق تنقصه الخبرة و الكفاءة في كل شيء تقريبا، إلا أن إكرامه كان واجبا، فقرر السلطان أن يصدر فرمانا يصبح بموجبه هذا الصديق واليا على بغداد، وأن يرسل معه احد ثقاته كي يدبر أمره، و يقف الى جانبه في الملمات التي لا شك سوف تصادفه لقلة خبرته و بساطة رأيه القريب إلى السذاجة. نصيحة للوالي دخل الوالي الجديد الى بغداد بكل هيلمان السلطة وشكيمتها، وسبقته إليها البشائر، أن مولانا اعزه الله قد أرسل إليكم من ثقاته الأقرب، و من رجاله الأفصح و من محبيه الاوفى، وكان يوم دخول الوالي يوم عيد لدى الخاصة و العامة، فبغداد مدينة تجارية مزدهرة تشرف، على نهرين عظيمين وبها من المعاش و الرياش الكثير. و لكن الوالي الجديد هو في اصغر اصغريه، فلا فكر يرتجى ولا عقل نير ينتظر أن يضاء، فسأل مرافقه الذي أرسله معه السلطان كيف يمكن لنا أن ندير مدينة بها كل هذه العقول و الرجال، وكيف نتدبر أمرهم وهم متدبريه بحسن العمل و التنظيم على أفضل وجهه. وجاءت النصيحة الذهبية بعد طول تفكير من الناصح المجرب، عليك يا سيدي أن تنقل كل شخص في قيادة المدينة ومن القائمين على أمرها من اختصاصه إلى غير اختصاصه، فتنقل إمام الجامع الى الإشراف على إسطبل الخيول، وتنقل المشرف على إسطبل الخيول لرئاسة الشرطة، وتنقل رئيس الشرطة الى الجامع كي يؤم الناس، وتنقل القاضي الى الإشراف على المخابز أما رئيس الخبازين فتعينه قاضي القضاة، وهكذا يصبح الناس في حيرة من أمرهم و يختلط الحابل بالنابل، ويصبح لعظمة الوالي ولي النعم الأمر كله، وفي هذه الحال فان أي قرار يتخذه مولانا الوالي سيكون أفضل من أي قرار آخر يتخذه المنفذون، سيكون أفضل من فتوى رئيس الشرطة في الجامع، وأفضل من مشرف الخيل في أعمال الشرطة، وأفضل من إمام الجامع في الاعتناء بالخيول و العناية بالإسطبل، فيشير الناس بعد ذلك الى حكمتك، لان الحكمة افتقدت في الباقين، و الى عدلك لان العدل قد اختل. فسر الوالي بهذه النصيحة وعمل بها، فسارت أمور الناس إلى السوء وانشغلوا بمشكلات سائس الخيل، و المشرف على الأفران، ورئيس الشرطة الذي تحول البشر لديه الى حيوانات وهكذا، أما الوالي فقد كان الشعب ينظر الى تفاهة أعماله نظرة الممتن، لأنه اخف في الضرر على الناس و أبعدهم عن عدم التخصص، ولم يكن هناك من يعترض على أوامر الوالي ونواهيه، مهما كانت تافهة وغبية. هذه القصة التراثية التي لها معنى عميق في سياسة الناس وتدبير شئونهم ، تصغير الكبير منهم بتكليفه بعمل حقير، وتكبير التافه عن طريق تكليفه بعمل كبير، لا يفقه عنه شيئا، هو بالضبط السبب الرئيسي في سقوط بغداد، هذا السقوط الذي يعتقد البعض أن وراءه خيانة. غياب الحرية حقيقة الأمر لا توجد خيانة، ولا توجد مؤامرة، فقد تم القبض على (الجنرال ) الأكثر قدرة على التصدي للدفاع عن الوطن، وهو الجنرال (حرية) فتقدم عبد التواب ملا حبوش وهو المسئول في نظام العراق السابق عن هيئة التصنيع العسكري، بفكرة عبقرية صرف عليها النظام كما قيل لنا ونشر بليون دولار، من اجل أن يسقط طائرات العدو المغيرة على بغداد و العراق بأشعة الليزر، وتنقل الأخبار أن هذه الفكرة الرائعة قد صفق لها الجميع في أكثر من اجتماع حضره القائد، ولم يستطع احد من الحاضرين، وفيهم أذكياء و أهل فطنة، أن يعترضوا لان الاعتراض معناه الموت فورا ومن دون تأخير. وعندما نسبر غور محاصرة الجنرال (حرية) نراه قد ظهر لنا في صورة أن (القائد) الذي يعرف كل شيء يدير السياسة كما يدير الاقتصاد، كما يفتي في العلاقات الخارجية، و يقود المعارك الطاحنة، رأيه هو الاوفى و هو الأكثر حكمة، لان شخصا ما ذكي جدا قد أوجز له سياسة الوالي العثماني إياه، بان أسند الأمر الى غير أهله، وحاصر الحرية، تستطيع أن تفتي لهؤلاء جميعا، فأنت نسبيا سوف تصبح اعلم منهم، أنت اعلم من سائق سيارتك بالطبع ذي النجوم الساطعة على كتفه في شئون الحرب، وأفضل من يعرف الاقتصاد من ابن خالتك الذي لم ينه المدرسة الابتدائية، وهكذا هو أنت الفرد الأوحد العالم بما تقدم وتأخر، وما دام الجنرال (حرية) مغبونا ومقموعا فأنت القابض على كل الأمور. في فضاء كهذا كيف يمكن أن تصمد بغداد، وكيف لا يمكن أن تسقط العراق في أسابيع من زاخو الى أم قصر؟ فكروا في سياسة الوالي واقروا من جديد رواية السابق صدام حسين(زبيبة و الملك) وأنتم تعلمون كيف سقطت بغداد، إن التفسير لا يخرج عن غياب الحرية. ـ كاتب كويتي