الاثنين 4 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 5 مايو 2003 لا أدري ان كنت سمعت بقصة المواطن التركي الذي كاد يفتك بصاحب مطعم في احدى مدن الأناضول والسبب ان صاحب المطعم سولت له نفسه يوما ان يغير اسم واحد من الأطباق الشرقية الشهيرة، وهو طبق اللحم المفروم بالبصل الذي يحمل اسم «داوود باشا» ومن ثم يضفي على هذا الطبق اسما مشتقا من اوصاف الأطعمة الأميركية.. من «هامبورغر» وانت نازل. واضح ان المواطن التركي رفض بإباء وشمم كما يقولون محو اسم وذكرى داوود باشا لحساب الزلفى الى الأميركان الذين يريدون لو يصبحون سادة لهذا العصر.. يستوي في ذلك سيادة التكنولوجيا وتفوق المدافع والطيارات مع سيادة المطابخ وألوان الطعوم ومذاقات الأطباق. ثم ان داوود باشا.. الذي اضفوا اسمه على طبق اللحم اللذيذ الشهير كان رجلا يذكره التاريخ باحترام.. فقد كان واليا عثمانيا وفد على بغداد (العظيمة.. الجريحة) في عام 1817 وظل حاكما لها حتى عام 1831، وطارت شهرته ـ كما يقول مؤرخوه ـ بحكم ما أقامه من مشاريع وما وضعه من خطط لحسن الادارة والعمران.. صحيح ان الباشا الوالي المذكور صادف مؤامرات ودسائس ووشايات أفضت الى عزله عن منصبه في «دار السلام» الا ان التاريخ أنصفه أيضا حين أشاد بما أسماه نزعته الاستقلالية عن الدولة العليّة.. وهي نزعة طبيعية وربما كانت معتادة الى درجة النمطية، كما قد نقول وتجسدها معادلة تقول بالتالي: ـ حاكم قوي الشكيمة نهضوي النزعة + ولاية وثابة الطموح + اصلاحات عمرانية ومخططات لتغيير حقيقي وجذري في حياة المحكومين = نزعة الى الاستقلال على مستوى الحاكم والولاية + تحاسد ودسائس في كواليس المابين (الحاشية والبلاط العثماني في الآستانة). ويفضي هذا كله اما الى عزل الحاكم الاصلاحي الطموح (داوود باشا) أو تحجيم الحاكم المذكور (محمد علي الكبير) أو الى تنازله عن أريكة الحكم ومن ثم نفيه خارج البلاد (اسماعيل باشا) خديوي مصر في ستينيات الى سبعينيات القرن قبل الماضي. حين طالعنا خبر التركي الغيور على طبق الباشا داوود، طرأت على البال ذكرى «أومالي». هذا هو الاسم الغريب بل والهجين المعتمد في قوائم المطاعم والفنادق الكبرى التي تقدم لنا بلغة الانجليز في دنيا العرب وبغير تفاصيل.. فكلمة «أومالي» هي التصحيف الغريب لاسم «أم علي» السيدة التي دخلت يوما في فاصل من المنافسة الحريمي، البالغة الشراسة مع سيدة أخرى اسمها «شجرة الدر»: كان ذلك ـ كما لعلك تذكر ـ في أواخر حكم الأسرة الأيوبية التي حكمت مصر 81 سنة وبالتحديد بين عامي 1169 و1250 للميلاد.. وشمل حكمها أيضا كلا من ولايتي الشام واليمن وكان على رأسها يوسف صلاح الدين.. البطل المسلم، الكردي الأرومة الذي وفد على المشرق العربي ومنه الى القاهرة وقاد جيوش المسلمين بعد توحيدها ـ نكرر بعد توحيدها ـ الى حيث طرد الغزاة والنفوذ الأوروبي المستتر وراء الشعارات الصليبية في حطين في شهر يوليو عام 1187. في أواخر عهد الدولة الأيوبية.. هاجمت غزوة أوروبية أخرى ثغور مصر في شمال شرقي الدلتا رافعة بدورها شعار الصليب. هب المصريون بقيادة حاكمهم، الملك نجم الدين أيوب للدفاع عن المنصورة ودمياط بعد ان هاجمتهما قوات الصليبيين.. في أوج المعارك مات نجم الدين، وكان في مرضه ومن ثم رحيله ما يفتّ في معنويات الجنود المحاربين.. لهذا عمدت زوجته التركية الشجاعة الى اخفاء خبر الوفاة وأمسكت بيدها مقاليد الأمور، كان اسمها «شجرة الدر» وكان لقبها هو «أم خليل» وكان وزيرها وقائد جيوشها هو «أبوعلي» عز الدين أيبك التركماني المملوك. وربما راق لشجرة الدر ان تحكم مباشرة وكأنما تعلن حق «تمكين المرأة» قبل ان تعلنه الأمم المتحدة بنحو 8 قرون.. وربما بالغت شجرة الدر في حكاية التمكين فوصلت بها الى ان أصبحت توقع المراسيم السلطانية أو المملوكية باسمها «أم خليل» وأصبح خطباء المساجد يدعون لها على المنابر قائلين: ـ اللهم أحفظ الجهة الصالحية.. ملكة المسلمين عصمة الدنيا والدين ذات الحجاب الجليل والستر الجميل والدة المرحوم خليل.. لكن «أم خليل» كان لها منافسة في غاية الشراسة والنفوذ.. هي «أم علي» الزوجة الأولى للوزير القائد عز الدين أيبك التركماني وهي التي اشتهرت بتقديم طبق الحلوى الشرقية الذي ما برح شهيرا.. ومؤلفا من رقائق الخبز المحمر مغموسا في الحليب ومغطى بطبقة من القشدة ومحشوا ـ فضلة خيرك ـ بأنواع المكسرات والزبيب. ورغم ان الأخ عز الدين كان شغوفا بطبق زوجته «أم علي» الا ان هذا الشغف لم يحل بينه وبين تطليقها لحساب الزواج من «شجرة الدر» شخصيا.. وربما كان زواج مصلحة يحقق به طموحا كان يراوده الى ان يتولى ـ وهو التركي الأصل ـ مقاليد البلاد والعباد. واستشعرت «أم خليل» هذا الطموح، واذ أحاطت علما بفضل عيونها وأرصادها ومن تقارير جواسيسها وبصاصيها بأن الزوج الهمام كان ينوي الزواج من جديد.. فقد وكلت جواريها وأتباعها بالأخ عز الدين حيث تربصوا به فيما بين المخدع الوثير والحمام الفاخر فأشبعوه ضربا حتى الموت بالقباقيب ـ نفس السلاح الماضي البتار الذي قتلت به شجرة الدر بعد ذلك، وكان المحّرض على ذلك ابنه الأمير علي ووالدته السيدة «أم علي»، كما يعرفها تاريخ تلك الفترة، صاحبة الصنف اللذيذ الشهير.. المفعم بالدسم والكولسترول ـ «أومالي» على نحو ما تعرفه كبرى المطاعم والفنادق في بلادنا وربما في العالم أجمع.