قصة سقوط بغداد (2) ـ بقلم: أحمد منصور

الاثنين 4 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 5 مايو 2003 لا نستطيع أن نقول بأن القوات العراقية لم تقاتل في معركة بغداد بشكل نهائي ولكن جانبا منها قاتل دون شك ولكنه قتال المنهزم، لأن القيادات العراقية بدت منهزمة من البداية وهذا ما حدث في المناطق الجنوبية التي صمدت أكثر من أسبوعين ليس بفضل صمود القوات العراقية ولكن بفضل صمود الفدائيين والمتطوعين. فالفرقة 51 التي كانت مكلفة بالدفاع عن البصرة انسحبت من المدينة في اليوم الرابع للقتال ومباشرة بعدما ظهر قائد الفرقة خالد الهاشمي على شاشة قناة الجزيرة ليعلن نبأ عدم استسلام قواته حيث كان قد أصدر أوامره لقواته بالانسحاب فيما كان البريطانيون يتفاوضون مع زعماء العشائر وقادة باقي القوات غير النظامية حتى أخليت لهم المدينة تماما ودخلها البريطانيون دون مقاومة إلا من متطوعين عرب خاضوا معهم معركة دامية قرب جامعة بغداد أشاد بها القائد البريطاني نفسه وقال «لقد سببوا لنا إزعاجا شديدا». وكان عددهم خمسة عشر فقط ينتمون حسبما أشار مراسل وكالة الأنباء الفرنسية الذي شاهد جثثهم بأنهم كانوا مصريين وفلسطيينيين ولبنانيين وسوريين وعراقيين، أما مدينة الناصرية التي خاضت قتالا عنيفا وأعاقت تقدم القوات الأميركية طيلة أسبوعين فقد ظهر في النهاية كما ذكر مراسلون مرافقون للقوات الأميركية أن الذين خاضوا المعارك الضارية ضد القوات الأميركية لم يكونوا يزيدون عن مئة وخمسين مقاتلا، وبينما كان الأميركيون في طريقهم إلى بغداد ظلوا يخوضون معارك ضارية طيلة يومين كان المحللون العسكريون يتحدثون فيها عن فرق الحرس الجمهوري وعن المعارك التي تخوضها لكن الحقيقة كما ذكرها المراسلون المرافقون للقوات الأميركية كانت تعود لكتيبة من المقاتلين العرب قوامها مئتا مقاتل هي التي أخرت تقدم القوات الأميركية طيلة يومين، وقد قضى على هؤلاء وأسر بعضهم وانسحب آخرون إلى بغداد يحملون بعض شهدائهم كما نقلت ذلك وكالات مصورة عديدة، ولا يستبعد أن يكون الذين بدا أنهم مدربون تدريبا عاليا من هؤلاء المقاتلين العرب الذين فروا من أفغانستان بعد هجوم القوات الأميركية عليها حيث نجح أربعمئة منهم في الوصول إلى جبال كردستان. في هذه الأثناء كانت القيادة الأميركية قد قررت إنهاء معركة بغداد بأي ثمن بعدما أصبحت صورتها سيئة أمام جنودها وأمام الرأي العام الأميركي والعالمى، فمن الناحية العسكرية قررت استخدام أسلحة جديدة غير مسبوقة في تدمير كافة أماكن تواجد القوات العراقية حول بغداد، منها ما كان يشير إليه المراقبون وحتى الصحاف في مؤتمراته الصحفية من أنها قنابل صوتية لا تدمر ولكنها تحدث صوتا عاليا اتضح من خلال بعض التقارير أنها قنابل جديدة كهرومغناطيسية تصيب دائرة قطرية صغيرة وتسبب تعطيل الحواس الخمس وكافة أشكال الحياة ومن ثم الوفاة السريعة لكل الموجودين في دائرتها، مصادر أخرى أشارت إلى بعض القنابل التي ألقيت على قطاعات عسكرية كانت تؤدي إلى تسييل أجساد الجنود بحيث لا يبقى إلا الهياكل العظمية، وقنابل أخرى كانت تؤدي إلى تحجر أجساد الجنود أو الذين يتواجدون في دائرتها. وذكر الأطباء في مستشفيات بغداد أنهم صادفوا حالات صعبة التشخيص ولايعرفون أسبابا لكيفية إصابتها بالشكل الذي جاءت عليه، وإذا كانت التقارير مازالت تتحدث حتى الآن عن اكتشافات جديدة لنوعيات من الأسلحة المحرمة دوليا والتي استخدمها الأميركيون في حرب كوريا بداية الخمسينيات وفي حرب فيتنام في الستينيات والسبعينيات فما بالنا بحرب العراق التي لم يعلن عن انتهائها إلا قبل أيام ولم يعلن حتى الآن عن عدد الضحايا بشكل عام والعسكريين منهم بشكل خاص؟! في هذه الأثناء كان الأميركيون يتفاوضون مع أخطر وأهم رجلين يمثلان قمة القرار العسكري في العراق، هما سفيان جريف وهو مرافق صدام حسين و حلقة الوصل بينه وبين قادة الفرق العسكرية في العراق، وماهر سفيان قائد قوات الحرس الجمهورى، حيث حول القصف العنيف وغير المسبوق وبكافة أنواع الأسلحة لبغداد والمناطق المحيطة العاصمة إلى مدينة للرعب حتى أن صدام حسين نفسه الذي كان لديه مئات المخابيء أصبح غير قادر على الاختباء بسبب ملاحقة القصف الأميركي له، فبعد اليوم السادس من إبريل أصبحت صلته بسفيان جريف مهتزة ثم انقطعت تقريبا في اليوم السابع وهو اليوم الذي استطاع فيه الأميركيون أن يعقدوا صفقتهم مع سفيان جريف وماهر سفيان، وبصفة جريف كان يبلغ قادة الفرق والقطاعات العسكرية ومنهم الحرس الجمهوري بالأوامر باسم صدام حسين فقد أصدر أوامره باسم صدام حسين ـ بعد اتفاقه مع الأميركين ـ في اليوم الثامن من إبريل بإلقاء السلاح وعدم القتال وكذلك فعل قائد الحرس الجمهوري ماهر سفيان. وأعلن الأميركيون أن مطار بغداد تحت سيطرتهم بعدما كانوا قد فقدوا السيطرة عليه في اليوم السابق، حتى أن طائرة من طراز سي130 هبطت فيه مساء 8 إبريل، لكن اتضح أن هذه الطائرة لم تكن سوى الطائرة التي أقلت الرجلين مع أسرتيهما لتنقلهم إلى مكان أميركي آمن بعدما وضعت القوات العراقية سلاحها وبدأت الدبابات تتبختر في شوارع بغداد ولأن الرجلين كانا يعرفان الأماكن التى يمكن أن يلجأ إليها صدام فقد أبلغا بمكانه في المنصور وهو المكان الذي قصف في هذه الليلة وقال الأميركيون أن صدام كان فيه، لكن حس صدام الأمني دفعه للخروج من المكان ربما قبل قصفه بدقائق. وفي اليوم التالي التاسع من إبريل أعلن عن سقوط بغداد دون مقاومة، مما أذهل الجميع وجعلهم يتساءلون حتى الآن أين القوات العراقية؟ إن قصة سقوط بغداد قصة كبرى وماذكرته ليس سوى سطر منها وسوف تضيف الأيام القادمة المزيد. ـ كاتب واعلامي مصري

طباعة Email
تعليقات

تعليقات