ضمائر مهجورة أو مهاجرة ـ بقلم: د. علي عقلة عرسان

الاثنين 4 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 5 مايو 2003 من يدقق في كلام بعض المثقفين والسياسيين والإعلاميين العرب وفي مواقفهم من الأمة والمستقبل العربي هذه الأيام، يجد نفسه في حالة غريبة لم يكن ليتصورها، وأمام مواقف لا يستطيع أن يستوعبها أو أن يهضمها، حيث تواجهه دعوة صريحة للتنصل من الأمة وكل ما يتصل بها وكأنها قميص عليه أن يلقيه عن جسده، وأمام محاولات مستميتة للإقناع بأن الهزيمة النهائية قد استغرقت الروح وأتت على الإرادة ولم يبق في الوطن ما يستحق الدفاع عنه والاعتزاز به والركون إليه. وأمام جهود تبذل لتقديم الشعب العربي على أنه ميت ولا يوجد أمل فيه على الإطلاق، وأمام دعوة لا أدري ماذا أسميها وبماذا أصفها.. دعوة للتحالف مع الاستعمار الأميركي البريطاني الصهيوني وتقديم ذلك على أنه الفعل العقلاني والوجداني الصحيح الذي على العرب أن يقوموا به بعد أن تأخروا عن فعل ذلك طويلاً، وأمام موجة عارمة من التغاضي عن القبول بهيمنة العدو الصهيوني على القرار والإرادة والأمن. ومن الترويج للتعاون معه بدونية معلنة ضد كل ما يمثل الأمة وحقوقها وتاريخها وهويتها وكرامتها، والنظر إلى ذلك على أنه أساس لواقعية وموضوعية وحيوية فعل ليس للعرب محيص من الأخذ بها جملة وتفصيلا؟! ومن المؤسف أن ينقضَّ ذلك النفر بسكاكين الحقد والغدر على الأمة في محنة من محنها، ويمعنون في تشويه الصور والمواقف والوقائع والرؤى، ويطالبون أو يشجعون على احتلال أقطار عربية بعد العراق لسحق أنظمة وحكام وأحزاب حتى لو أدى ذلك إلى سحق كل ما يتصل بالحياة والعمران والحضارة في تلك الأقطار ليشبعوا حقداً متورماً في صدورهم ويتشفوا بفعل لن ينال ظلامهم وأعداءهم منه شيء في تقديري، بينما ينال الأبرياء والوطن والأمة منه كل شيء ؟! ويجد المرء نفسه حيال هذا الوضع مندفعاً للتساؤل بمرارة، وهو يصحو بذهول على منطق يفرض واقعاً جديداً على الفكر والمفاهيم والقيم والمصطلحات.. على الناس والأوطان بقوة القهر وممارسة السطو المسلح الذي تقوم به قوى خارجة على القانون والإنجيل يسمح عدوانُها لقوتها العمياء بأن تصبح قانوناً ولمجرميها والعنصريين الذين يوجهونها بأن يصوغوا العالم على أساس من رؤية مريضة للقيم والعلاقات والمصالح.. يجد المرء نفسه مضطراً لإعادة ربط خيوط وفكها ليرى في نسيجها بعض ما كان خافياً عليه، ويمضي في اندفاعه للتساؤل: من هؤلاء الذين يخرجون بهذه «الشجاعة» على كل ما تعارفت عليه البشرية وكرسته الشرائع السماوية وأقرته القوانين والأعراف والمواثيق الدولية، ومن أين ينسلون؟ كيف يفكرون، وكيف يفعلون ما يفعلون، ولمن ينتمون في العمق والشمول عقيدة وقيماً وانتماء..وطنياً وقومياً وحتى إنسانياً؟ وأين كان كل هذا الحقد الجارف على الأمة العربية الذي لا يميز اليوم بين العدو والصديق، بين القيمة والقمامة، بين النظام والفوضى، بين الشعب والحكم، بين الطاغية والضحية ومن جعل الطاغية كذلك والضحية كذلك؟ بين الجغرافية ذات الروح والتاريخ ذي الأحكام والدروس والعبر، بين الذاكرة والوجدان، بين المستعمِر المحتل عدو الأمة وعدو عقيدتها وبين جوهر الانتماء وواجباته ومعانيه وحق الوجود ومباديه وروح الاستقلال وما يرتبه ويعنيه، بين قوة لا خلُق ولا مبدأ لمالكها ومحركها الذي يصبح بفعل القوة فقط صاحب موقع وحكمة وخلق وقيمة وهو مجرد من ذلك تماماً، وبين ضعيف لا يملك أن يدفع عن نفسه وحقه سطوة القوة عليه فيُقهر ويسكت وتشوَّه صورتُه ويصبح في «قفص الاتهام» بينما هو فوق ذلك كله وبراء من كل اتهام؟! مقاربة الواقع ذلك هو للأسف وضع شعبنا العربي اليوم وله من عمر التجربة الحضارية آلاف السنين، وهو ينغرس في جغرافية وطنه وتربة ثقافته مذ كان الوجود، ويعتنق عقيدة سماوية سامية، وقد قدم للآخرين المعرفة والحكمة في آنية التسامح والتواضع؟! من أين يتدفق علينا هذا السيل العكر، وكيف يندفع في أرضنا هذا الاندفاع ليصبح مثل كرة الثلج المتحدِّرة من علٍ كلما تدحرجت أكثر كبرت أكثر واتسخت أكثر ودمرت أكثر؟! إن التذكر والتذكير والربط ومقاربة الوقائع من الأمور المفيدة إلى أبعد الحدود في هذه الظروف، ومن لا يفعل ذلك يفقد بعض ما يساعده على الرؤية الصحيحة والحكم السليم. بالأمس القريب كانت الحرب في أفغانستان جهاداً ترعاه الإدارة الأميركية وتباركه وتحث عليه وتقدم له كل أشكال الدعم المادي والمعنوي ويندفع من يندفع في طريقه محاطاً بالتجلّة والإكبار، وكانت الحرب على الجمهورية الإسلامية في إيران، التي قضت على الشاه والسافاك ووضعت سفارة لفلسطين في مكان سفارة العدو الصهيوني في العاصمة طهران، دفاعاً عن الأمة كلها ومن يخوضها ويقودها بطلاً منزهاً عن الخطأ ومعفى من كل الجرائم والخطايا، ومن لا يقف معه ولا يسير خلفه خارج على الأمة والملة، وكانت العروبة معلاة الأقداح عالية المكانة؟! هلا سألنا أنفسنا لماذا تم ذلك وتمت مباركته، ولماذا تم الانقلاب عليه وقلب المعايير ونقض الأحكام؟ ببساطة لأن الولايات المتحدة الأميركية والكيان الصهيوني أرادا ذلك وسار من سار في تلك الدروب من دون أن يسأل العربي لماذا.. على الرغم من وجود فوارق كبيرة بين معطيات الحرب على السوفييت في أفغانستان ومسوغاتها وبين الحرب على الإيرانيين وأهدافها؟؟ لم يسأل أحد لأن صاحب العصا هشَّ على غنمه فسارت في الطريق التي رسمها.. هكذا أراد الأميركيون والصهاينة، وهي حربهم على أعدائهم وعلينا بأيدينا وعلى نفقتنا.. ثم جاءت حرب العرب على العرب بعد حرب العرب على المسلمين ليفني بعضهم بعضاً ويربح الذين يتاجرون بالسلاح والنفط والدم والغذاء والدواء والمشاعر في سوق سوداء مفتوحة على المدى الواسع وعلى الزمن المديد، ولنذكر على سبيل المثال أنه قد ساهمت في السوق السوداء الشاملة التي فتحتها حرب الخليج الأولى لمدة ثمان سنوات ونيِّف اثنتان وثلاثون دولة على رأسها الولايات المتحدة الأميركية. كانت تلك أفعال مشروعة، والأمة حية تمارس حروبها بـ «حرية وديموقراطية» ضمن القانون، وتفني عمرانها وتستنزف ثرواتها.. في فعل «مشروع».. ولم تستخدم أسلحة محرمة أو يتم التجاوز على حقوق الإنسان وحرياته؟؟ لقد تم كل شيء بنظافة لأن صوت الطبل الأميركي أقوى من صوت الضمير، ولأن الولايات المتحدة ببساطة أرادت ذلك ولها مصلحة فيه.. في ذلك الوقت كانت الولايات المتحدة الأميركية تحرك وتحرض وتقيم القواعد في وطن العرب وتعزز وجودها العسكري ونفوذها الشامل وتصنع الأسباب لكي ترتقي سدة الأمر والنهي من بعد.. واليوم، بعد محنة العراق، يكيلون بكيل شارون وبوش لسورية ففيها نظام يقول بالقومية والتحرير، ويقف مع المقاومة الفلسطينية واللبنانية ضد الاحتلال الصهيوني، نظام كان وما زال يرفض أن يكون مطية للولايات المتحدة الأميركية، وأن يعترف بالكيان الصهيوني ويتغاضى عن خططه الرامية إلى إلحاق أقطار عربية به وتمزيق جغرافية الوطن العربي إلى فسيفساء طائفية تحميها دويلات هزيلة بالاعتماد عليه، كما يرفض أن يقف ضد حقوق الشعب الفلسطيني وأحلامه وتطلعاته المشروعة، ويرفض أن يسمي مقاومته المشروعة للاحتلال الصهيوني إرهاباً، وأن يسلمَها للصهاينة أو أن يطردها من دمشق في حركة تشريد رابع أو خامس؟ ولأنه يمسك بزمام سياسته واقتصاده على قدر طاقته واستطاعته، ويرفض أن يستجدي الأميركيين مساعدات يكون ثمنها مواقفه وثوابته، حيث يعطونه دولارات ويقطفون قراره ورأسه ورأس الأمة والوطن في وقت لاحق؟! صحيح إنه ليس مبرءاً من الأخطاء، ويحتاج إلى مراجعة الكثير من القضايا والممارسات ليردم الهوة بين الممارسة والشعار، ويقضي على مظاهر الفساد، ويشيع قدراً أكبر من الديمقراطية والمشاركة الوطنية الأوسع في الحكم والمزيد من الأمن من جوع وخوف، ولكنه ليس بلا حسنات أو مباديء ومواقف وثوابت منها إيمانه بحق الأمة العربية في الوجود الحر والسيادة المطلقة على قرارها وأرضها ومصالحها، ورؤيته الصحيحة لجوهر الصراع العربي الصهيوني وأبعاده.. وربما كان ذلك الإيمان وتلك الرؤية هما اللذان يراد لهما أن يزولا من وجهة نظر المطالبين بـ «إزالته».. ولكن.. على كل ذلك الفريق ومن يقف وراءه أن يتذكر أن سوريا كلها وليس النظام.. وأن من يحكمها الآن ومن يحكمها في المستقبل أياً كان، تؤمن ويؤمن، بالعروبة ويعتز بانتمائه إليها، وتنشد التحرير، ولا ترى للصهاينة حقاً ولا هيمنة في أرض العرب. قطف الرؤوس الولايات المتحدة الأميركية واليمين الصهيوني العنصري العفن التفكير فيها على الخصوص والحركة الصهيونية، يريدون العروبة ومن يؤمن بها: متهماً شريراً عرقياً عنصرياً ميتاً أو ينبغي أن يموت.. يريدها مقطعة لا يجمع أقطارها جامع، وأن تدمَّر ما بينها من صلات وعلاقات وروابط حتى الشكلي منها. وها هي سكاكينهم تسبق ألسنتهم لتنفيذ ما يريده الصهاينة والأميركيون؟! لماذا ؟ إن سقوط النظام في بغداد لا يعني أبداً سقوط الأمة، ووجود ممارسات غير مقبولة على الإطلاق من حاكم أو نظام في هذا القطر العربي أو ذاك لا يعني على الإطلاق أن هذا من طبائع الأمور وأنه يجب أن يستمر، وأنه لا يوجد إلا في وطن العرب، وأن وجوده يحتم القضاء على القومية العربية وعلى وطن العرب واحتلال ذلك الوطن وتقويض استقلاله، ولا يعني أن الإصلاح لا يجدي مع ذلك النوع من الخطايا والأنظمة والحكام؟ لماذا لا يذكرون جرائم الكيان الصهيوني المتجددة بحق الشعب الفلسطيني طيلة خمسة وخمسين عاماً على الأقل.. أليس للفلسطيني دم وحياة وحقوق، أم أن النظرة العنصرية الصهيونية للعرب تشربها أولئك المندفعون وراء النهج الأميركي العدواني الأعمى؟ لماذا لا يذكرون جرائم الولايات المتحدة في فييتنام وكوريا والصومال..إلخ، وجرائم الكثيرين من الحكام الذين سقطوا وسقطت أنظمتهم من دون أن تسقط شعوبهم أو تتهم أو تموت قوميتها وهويتها؟ لم تلغ القومية الألمانية على الرغم من قيام هتلر وسقوطه مع نظامه، ولم تلغ القومية الإيطالية على الرغم من ترعرع الفاشية فيها وسقوطها، ولم يلغ الصرب على الرغم ممارستهم الدموية الوحشية ضد سواهم وإدانة ميلوسوفيتش وسواه من رموزهم، ولم تصبح الولايات المتحدة الأميركية كلها على صورة المكارثية بعد سقوطها.. سقط التعصب والتطرف وينبغي أن يسقطا ولكن تبقى الأمم والهويات ويبقى الانتماء وتبقى القيم ويبقى العطاء الحضاري الذي يميز الشعوب ويكتب صفحات بهية لها في التاريخ. العروبة ليست عاراً، والانتماء القومي ليس قميصاً نغيره في أي وقت؟ أعطوني شعباً في التاريخ غير هويته وانتماءه وصار بلا هوية لمجرد أنه هزم في معركة أو غزت أرضه واحتلتها قوة لم يكن بمقدوره أن يقاومها في ذلك الوقت؟! أعطوني شعباً في التاريخ انهزم واحتلت أرضه ولم يستأنف المعركة ويقاوم ويقاتل ويدحر الغزاة ويتحرر؟؟ إن ما يطلبه أعداء الأمة اليوم في الحملة الوحشية على العروبة والفكر القومي والتيار القومي في الوطن العربي هو استثمار الصدمة لقتل روح الصمود والمقاومة والأمل، وإلجاء الكل إلى الاستسلام واليأس، وجعل الاندفاع في ذروته نحو التسليم للعدو الصهيوني بكل ما يريد أولاً، مع أنه أفلس روحياً وعلى شفا إفلاس مالي بفعل مقاومة الشعب الفلسطيني المحاصر بالدبابات والحقد والقتل والتدمير، والتسليم للمحتل الأميركي ذي المخططات الاستعمارية بكل ما يشاؤون ثانياً. من الذي يريد قطف رأس العرب والمسلمين بأيدي العرب والمسلمين بالدرجة الأولى غير أولئك الذين يعلنون عداء كريهاً ضد العروبة والإسلام، ويدعون إلى حرب « صليبية مقدسة ضدهما»، ويتهمون الإسلام بأنه «بوتقة الإرهاب» وأنه شرير؟! هل تعرفنا على هويتهم واكتشفنا سمومهم وحربهم المستمرة علينا.. أم أننا نردد ما يقولون ونفعل ما يشاؤون حتى ننال شهادة حسن سلوك منهم تكون على حساب وطنيتنا وهويتنا وإنسانيتنا؟! الاحتلال والاحتلال الأميركي الصهيوني البريطاني سيقيم تحالفاً مع من يحتل أرضهم؟! ومن لا يملك أن يمشي أمتاراً في طريق معتمة، فضلاً عن أن يقاتل دفاعاً عن نفسه، يصبح عنترة بن شداد يسير على قومه بسيوف شداد ويبطش بأمته العربية بطشة «بوشية»، وهو يركض تحت الراية الأميركية وينشد «للحرية»؟ هذا ما ينادي به غربان فوق تلال الورق وهوائيات البث اليوم؟! ولنا أن نصفع الغراب بالصوت القائل: من لا يملك إلا أن يرتعد كل دقيقة خوفاً من خياله، لماذا يريد أن يجعل الأمة كلها ترتعد خوفاً وتستسلم بينما استشهاديوها يقاومون الاحتلال الصهيوني بلحمهم ودمهم منذ سنوات ويحققون انتصاراً عليه في مواقع وجبهات على الرغم من خلل رهيب في ميزان القوة لا يمكن التفكير بمجرد عرضه على أي شكل من أشكال الموازين؟! ما لذلك القابع في حضن حاميه وللأمة وتطلعاتها وأهدافها وقيمها؟؟ فليقبع في ركن وحضن يحميانه من الرعدة، لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وليترك من فيه بعض الخير للأمة يقدم خيره لها بقوة وشجاعة وتضحية يستحقها تاريخها وتستحقها أجيالها وقضاياها العادلة، وحقها في البقاء الكريم. أهلية البقاء قلة هي التي تريد للأمة أن تكون تابعاً ذليلاً للصهيونية والاستعمار الجديد، وأن تستسلم تحت مسمى الواقعية التي اسميها «واقعية انهزامية»، وهي تقبل أن تسمي نفسها حليفاً للعدو والمحتل والمستعمر، وتلهث وراء صيغة من صيغ التعويض المرَضي المعروف المكشوف، حيث ترمي إلى تغطية الجبن والانهزام الداخليين العميقين بالتماهي مع القوي المنتصر.. إنها تتقمص شخصية العدو القوي معتقدة أن ظلاميتها وظلاميته قد انتصرتا نهائياً على النور؟! إنني أستمع إلى صخب العزف.. أجواق وأجواق تعزف اليوم في الفضائيات والإذاعات والصحافة على أنغام: «الجاز والهاتكفا»، وتريد للأمة أن تخرج من التاريخ، وتريد ممن يؤمن بها من أبنائها أن يتخلى عن إيمانه وإلا فالانتحار أو القتل والعار! ومن عجب أن تلك الأجواق كانت تعزف من قبل على أنغام أخرى وتقول إنها سوف تدخلنا التاريخ على أنغامها تلك.. أنغام الخلود. كان العرب على درجة من الأهلية للبقاء بنظرهم يوم كانت الإدارة الأميركية تريدهم كذلك، وأصبحوا اليوم لا يستحقون البقاء لأنها تريدهم كذلك أيضاً.. والأجواق تقبض على القولين وتبيعنا في كل الأسواق مرتين لمن يشتري، وتدّعي المعرفة المطلقة، وتزعم أننا خارج العصر والتاريخ والجغرافية والمنطق والعقل؟؟ تعالوا بحق الله ناقشوا تاجراً في سوق الكلام يقول عن هوية الأمة وقيمها ومواقفها وعقيدتها ليست إلا مصالحها فقط التي تتحول تبعاً لمصلحة من يقهرها؟! فليقنعه أحد بشيء في عصر الأميركي الذي يعرف قيمة برميل النفط ولا يعرف قيمة متحف بغداد أو مكتبة وطنية للمخطوطات التاريخية. لن نكفر بالأمة، ولن نتنكر لها أبداً، ولن يستطيع السيد بوش أن يجعلنا مهزومين من الأعماق تاريخياً ونهائياً أمامه وأمام أنموذجه الأعلى شارون وعملائهما وأتباعهما.. سنبقى شوكة في الحلق، ونباتاً يخضر في الصحراء، وغناء حزيناً على ضفاف دجلة والفرات وشط العرب والنيل والعاصي.. وسيأتي موسمنا. لا أريد أن أصدق أن العالم قد انتهى أميركياً صهيونياً إلى أبد الآبدين، وأنه لا يوجد أمل على الإطلاق لكل الشعوب.. لا أريد ذلك ليس لأنني متعلق بالوهم أو خائف من الحقيقة أو عاجز عن مواجهة الواقع، ولكن لأن الواقع بكل معطياته، والتاريخ البشري بكل قراءاته لا يشيران إلى ذلك على الإطلاق.. ولأنني أرفض أن تسلم أمتي بخروجها من التاريخ وبانعدام فرص استعادة الوجود الحي، وأن تستقيل من الحضور بين الأمم.. ومن حقي أن أعزف على الناي في الصحراء وأن أستنهض زوابع اللهب العربي وفق رؤيتي التي أحاول أن أبنيها على الإيمان بمستقبل العروبة والإسلام اللذين يتماهيان في الحضور والتأثير والمصير، وينبغي أن يجتمع الناس في وطن العرب على هذا التماهي الخلاق. لقد أخطأ حكام، وأخطأ مسؤولون، وارتكبت خطايا وجرائم بحق النظريات في كل البلدان والعصور.. ولكن لم يمت المبدأ الصحيح ولن يموت، ولم تتخل الشعوب عن هوياتها وتتنكر لانتمائها. ليست أمتي في موقع المهزوم، ولا في موقع اليائس، ولا في موقع الخائف.. وأنا منها ومثلها.. أنا على أرض الحق والمبدأ والاختيار الحر الواعي لأهدافه.. على أرض قد تشرب دمي ودم سواي في أية لحظة، ولكنني مطمئن تماماً إلى أن دمنا سوف يربو في الأرض، وسوف لن يموت ولن ينسى، وسيأتي جيل يرى أثره ويستنشق بقاياه ويقول نحن أمة تستحق أن تعيش وأن تكون في موقع كريم، وأن تحمل رسالتها بمسؤولية واعتزاز وشرف، وإن دماً ينسكب على هذه المبدئية يستحق أن يعيش على نحو ما وأن يبعث الحياة في الموات على نحو ما أيضاً. لست وأمتي من اليائسين.. وأسأل الله ألا يكتب لي ولها شيئاً من ذلك. ـ رئيس اتحاد الكتاب والأدباء العرب

طباعة Email
تعليقات

تعليقات