الاحد 3 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 4 مايو 2003 عندما كان طفلاً صغيراً كان جده كثيراً ما يأخذه معه إلى السوق. وذات يوم مرَّا على منزل له حديقة يحيط بها سور صغير مغطى بأروع زهور رآها في حياته. توقف عن السير ليحدق في تلك الزهور ويشم عبيرها الرائع. ولم يتمالك نفسه فسأل جده مندهشاً: ـ أليست هذه أروع زهور رأيتها في حياتك يا جدي؟ وقبل أن يسمع إجابة جده، دبّت حركة في الممشى الأمامي للمنزل، ثم جاءه صوت سيدة عجوز تقول: ـ لك أن تقطف زهرة يا عزيزي، اقطف أي زهرة تريدها! نظر الصبيّ إلى جده أولاً فوجده يهز له رأسه بالموافقة، ثم نظر إلى المرأة وقال لها: ـ هل تعنين فعلاً ما تقولين يا سيدتي؟ أجابت المرأة: نعم يا عزيزي. تقدم الصبيّ فقطف وردتين حمراوين، ثم اتجه إلى السيدة الكريمة ليهديها واحدة منهما تعبيراً عن امتنانه لها مبدياً إعجابه بفناء منزلها الفائق الجمال. مدّ الصبيّ يده بالوردة بينما ظلّت السيدة واقفة مكانها تنظر في الفراغ. عندها فقط اكتشف أنها كفيفة لا ترى. وقبل أن يفيق من دهشته بادرته السيدة قائلة: ـ لقد زرعت هذه الزهور يا بني كي يستمتع بها الآخرون، فأنا لا أستطيع أن أراها لأنني كفيفة كما ترى! يا لتلك السيدة الرائعة! لقد قدّمت له يومها أكثر من مجرد زهرة، فقد أعطته درساً لن ينساه طوال عمره.. وكم يتمنى ألا ينساه كل من يقرأه.. فقد أثبتت له أننا نستطيع أن ننفع الآخرين حتى لو لم ننتفع نحن. ترى.. ما هو عدد أولئك الذين يفكرون بهذا المنطق.. منطق العطاء دون أخذ كما يبدو للبعض؟ كم هم أولئك الذين فكروا بطريقة أخرى فأدركوا أنه ليس بالضرورة أن يكون الأخذ مادياً؟ فهذه السيدة الكفيفة التي اعتنت بحديقة منزلها وسورها كي تدخل السرور على كل من ينظر إليهما إنما اختارت أن تكون سعادتها في إسعاد الآخرين وإدخال السرور عليهم. لم تقف إعاقتها التي حرمتها رؤية الجمال الخارجي عائقاً دون رؤيتها للجمال الداخلي، فأنارت بصيرتها لتعوّض فقدانها للبصر.. وتلك هي ذروة العطاء التي يمكن أن نصل إليها عندما نتخلى عن أنانيتنا وننأى بأنفسنا عن نوازعنا البشرية، فندع التفكير في ذواتنا لنحقق راحة نفوسنا من خلال الآخرين وعبر اسعادهم. كتب القاص الشهير محمود تيمور ذات مرة: «سمعت امرءاً يقول: ـ لو كنت أملك صحتي، وصفاء ذهني، وطمأنينة الحياة من حولي، لاستطعت أن أقوم بأعمال جسام، وأكتب لي صفحة حافلة بآيات النجاح. لبثت أفكر في هذا القول، فبدا لي أنه منطق معكوس، وكان جديراً بصاحبه أن يقول: ـ لو كان لي عمل أقوم به، وأقبل عليه، لأبلغني هذا العمل ما أنشده من موفور الصحة، وصفاء الذهن، وطمأنينة الحياة. لقد أملى عليّ هذا التصويب خبرة خاصة، وهي الزبدة من تجربة العمر... أصبحت معتقداً أن الإيمان بعمل، والشغف به، هو خط الدفاع الذي يحمي المرء من مكاره اليأس والقلق والتهيّب، وهو الينبوع الذي يفيض على النفس مشاعر الفوز وكسب الحياة. كيف يجبن عن الحياة من يعتقد أن له فيها عملاً يضطلع به، وأن له فيها ثمرة يرتقب أن يحين قطافها يوماً بعد يوم؟ لا غرو أن يرفع العمل من معنوية الإنسان، وأن يحبب إليه العيش، وأن يدفعه في سبيله إلى المجالدة والصراع.. فتقوى فيه روح المغامرة، ويمضي به الطموح إلى بعيد الآفاق». يقول الصحفي والمؤلف والمخرج المسرحي جيمس رمزي أولمان: «سئل جورج لي مالوري أعظم متسلقي الجبال الإنجليز عن السر في رغبته الملحّة وجهاده القوي كي يتسلق قمة ايفرست، فلم يكن جوابه إلا هاتين الكلمتين: «لأنه هناك». وحسب بعض الناس أن إجابته هذه غامضة، ولكنها في رأيي من الوضوح ومن الدلالة على المعنى كأي اجابة أخرى. إنها تنطوي على بديهية أولية، لا لمتسلقي الجبال وحدهم، ولكنها لكل إنسان... ها هو ذا جبل مرتفع فتسلقه.. ها هو محيط كبير فاعبره.. هذا مرض مزمن عليك بعلاجه.. هاك خطأ عليك بتقويمه. إن الأشياء قد تختلف في مظاهرها السطحية اختلافاً بيناً، ولكنها في جوهرها متطابقة، وفي مقدورنا أن نحذف هذه العبارات المختلفة ومئات غيرها، وأن نستبدل بها لفظاً واحداً هو لفظ التحدي». بقي أن نسأل: من هم أولئك الذين نتعلم منهم دروس الحياة العظيمة هذه؟ وهل من الضروري أن يكون أبطال المواقف التي نتعلم منها نجوماً يشار إليهم بالبنان، أو عباقرة خبروا كل دروس الحياة؟ والجواب: إطلاقاً.. فليس شرطاً أن نأخذ دروسنا ممن هم في دائرة الضوء أو نحسبهم أقرب إلى الكمال.. فرُبَّ درس تعلمناه على يد طفل صغير أو إنسان مغمور عابر في حياتنا.. بل ربما كان أبلغ الدروس هو ما نتلقاه على أيدي هؤلاء الناس العاديين البسطاء لأنهم أقرب ما يكونون إلى التجرد من مظاهر النفاق، وأبعد ما يكونون عن الرياء والتزلف والمحاباة وتقصّي منابع الربح والمكاسب. ولو أننا أمعنّا النظر في محيطنا لوجدنا آلاف الدروس والعبر في كل ما يتحرك حولنا.. في أولئك المترفين المتمرغين في نعيم الحياة وملذاتها.. وفي المعدمين المحرومين من أدنى ضرورات الحياة ومتطلباتها. أما تلك اللحظة الباهرة التي تمتد فيها إلينا يد بزهرة من زهور الحياة.. فهي اللحظة التي نضيف فيها إلى مخزون تجاربنا تجربة غنية أخرى، نوقد فيها شمعة تنير لنا دروب الحياة المعتمة، وتمهد لنا طرقها العسيرة الوعرة. وعندها لن تكون مجرد زهرة نشم عبيرها ثم نلقي بها على قارعة الطريق لتدوسها الأقدام.. لأننا سنحتفظ بها مدى العمر الذي لن نحسبه ساعتها بحساب السنين والأيام التي نعيشها مرغمين أو مختارين، بل بعدد المرّات التي استطعنا أن ندخل السرور فيها على قلب إنسان ربما كنا لا نعرفه وقد لا نلتقي به مرة أخرى في حياتنا. إنها لحظة رائعة لا يعرف قيمتها إلاّ أولئك الذين تعني لهم الحياة أكثر من مجرد أرقام يدركون جيداً أنها ماضية في عد عكسي يهديء من سرعته بقدر ما نضيف إليها من حب للآخرين، ويتسارع بقدر ما نأخذ منها من حب لذواتنا. وتلك هي المعادلة السهلة الممتنعة التي لا تدركها إلا الفئة السعيدة من البشر. aliobaid2000@hotmail.com