الاحد 3 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 4 مايو 2003 يقول الروائي الانجليزي الراحل جورج أورويل على لسان بطل لاحدى رواياته: أفضل الكتب تلك التي تحكي لنا ما نعرفه مسبقاً. والمعنى المقصود هو ان كاتباً ما يتناول قضية انسانية تهم الجميع فيطرحها وفق افكار مرتبة ومتسلسلة منطقياً، وعندما تقرأ هذا الطرح لا تملك الا ان تقول باعجاب: هذا ما أردت ان اقوله انا ولم املك القدرة التعبيرية لأطرحه هكذا.. فقام الكاتب بالمهمة نيابة عني. استذكرت هذه الخاطرة وانا اطالع مقالة في «نيويورك تايمز» للمحلل السياسي الاميركي وليام فاف عن «نظام بوش العالمي الجديد» فالكاتب لم يأت بأفكار جديدة ولكن رغم ذلك فإن المقالة تطرح ما يجول بخاطرك في ترتيب ينم عن قدرة ذهنية استيعابية فذة. فاف يتكلم عما ينتظر العالم لمرحلة ما بعد الحرب الاميركية على العراق.. ومن هذه النقطة تنقلنا المقالة عبر سلسلة من المحطات لندرك عند النهاية ان هذا العالم ربما يكون موعوداً بعهد من الاستعمار الاميركي الشامل، فالعراق ليس سوى نقطة بداية. يقول فاف: لقد استغلت ادارة بوش الانتصار في الحرب على العراق من اجل اعادة تشكيل الشرق الاوسط، والخطوة الاولى في هذا الاتجاه هي فيما يبدو ترعيب سوريا من اجل تحقيق احد هدفين: الهدف الأقصى هو تغيير النظام الحاكم، والهدف الادنى هو وضع نهاية للدعم الذي تقدمه دمشق للمنظمات المعادية لاسرائيل، وعلى الأخص «حزب الله» اللبناني. بعد ذلك مباشرة يأتي دور لبنان من اجل تحويله الى دولة اقل سيادة تحت اشراف اميركي ـ اسرائيلي. اما على الصعيد الفلسطيني فإن الكاتب الاميركي يقول ان «خريطة الطريق» سوف تقود الى طريق مجهول.. وهذا بالضبط ما يريده ارييل شارون. ثم يكون الهدف التالي هو ايران. لكن المخطط لا يتوقف عند الشرق الاوسط.. فهو مخطط عالمي، والهاجس الاكبر الذي يستبد بتفكير رجال ادارة بوش حالياً هو كيفية التخلص من هيئة الامم المتحدة او تحجيمها او تهميشها، ان المقصود هو تجريد الامم المتحدة من وظائفها السياسية وتركها بعد ذلك تواصل انشطتها في مجال الاغاثة والمجالات الانسانية الاخرى والخدمات المشابهة التي لا تثير جدلاً ودون التدخل في القرارات السياسية للدول، وخاصة قرارات الولايات المتحدة. ان الدول التي تدافع الآن عن الأمم المتحدة، كدول أوروبا، وخاصة فرنسا والمانيا وبلجيكا، انما تفعل ذلك لانها لا تريد للولايات المتحدة ان تكون لها قوة متحررة من اي قيود دولية، ولذا فإنه طالما بقيت الامم المتحدة متمتعة بعضويتها العالمية وباعتراف في القانون الدولي بأنها السلطة الوحيدة التي بوسعها اضفاء شرعية على استخدام العنف بواسطة دولة ما ضد دولة اخرى فإنها تمثل بذلك مشكلة لادارة بوش. ان ما تريده الولايات المتحدة وتسعى الى تحقيقه هو نظام عالمي جديد يتكون من دول غربية وان يخلف هذا النظام الأمم المتحدة. هو في الحقيقة حلف اكثر منه نظام شامل، وترى ادارة بوش ان يكون دور هذا الحلف هو التصدي بصورة فاعلة وسريعة لأي تهديد للنظام العالمي. هنا يقول الكاتب فاف: ان ادارة بوش تتصور ببساطة عالماً تقوم بادارته الولايات المتحدة بمساعدة اي عدد من الدول لكن بشرط الا تتدخل هذه الدول في عملية صنع القرار! ان الهدف المعلن رسمياً لادارة بوش هو ان تبقى الولايات المتحدة متفوقة عسكرياً وان تمنع الدول الاخرى من بناء نظام ردع نووي او اي نظام ردعي مشابه، ولهذا الغرض تعتزم ادارة بوش ان تنزع سلاح من يملكون اسلحة نووية حالياً كلما كان ذلك ممكناً. ولا تريد ادارة بوش ان تكون اي حكومة في موقف يمكنها من الوقوف في وجه الولايات المتحدة من خلال مؤسسات دولية او معارضة قانونية.. مما يستوجب بالتالي الغاء وجود الأمم المتحدة. والسؤال الذي ينبغي ان يطرح هو بالطبع: هل تستطيع الولايات المتحدة المضي قدماً في تطبيق مخططها العالمي والذي يرمي ببساطة الى فرض نفوذ استعماري شامل على العالم بأسره دون ان تلقى مقاومة؟ الكاتب فاف يقول ان المقاومة بدأت بالفعل رغم انها في طور ابتدائي.. ويشير بذلك الى تمرد دول اوروبا قائلاً انه سوف يتبع لاحقاً بتمرد روسيا والصين. بكلمات اخرى فإن الاندفاع الاستعماري الاميركي سوف يؤدي الى ردود فعل في القوى الدولية الأخرى تتعاظم تدريجياً بتعاظم الخطر الأميركي. ومن يعش ير!