الاحد 3 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 4 مايو 2003 من الضروري أن نتعرض لقضية العمل العربي المشترك في المرحلة المقبلة بعد التطورات التي ترتبت على الاحتلال الأميركي البريطاني الحالي للعراق وما أعلنته الإدارة الأميركية على لسان العديد من مسئوليها منذ فترة طويلة وقبل احتلال العراق عن رغبتها في إعادة رسم خريطة المنطقة بما يحقق لها أهدافها والتي يأتي في مقدمة أولوياتها بعد أن وضعت يدها على نفط العراق إعادة تشكيل بنية الفكر العربي والثقافة العربية والإسلامية بما يتمشى مع متطلبات المرحلة المقبلة، وفق رؤيتها بأن هذا الفكر الذي يقوم على الرؤية الأحادية ويرفض الفكر الحر هو فكر مولد للإرهاب وراع له يحتاج إلى صياغة جديدة حتى يتم تشكيل الأجيال المقبلة وفق رؤية جديدة وفكر جديد أكثر قبولا للآخر وأكثر إيمانا بقيم الديمقراطية والليبرالية كأهم دعائم النهضة وشروط التقدم السياسي والاجتماعي والثقافي. من هنا فإن الحديث عن مستقبل العمل العربي المشترك في ضوء هذا الواقع الجديد يجب أن يكون من أولى أولويات الحكومات العربية والمنظمات ذات الشأن في هذه المرحلة المهمة والدقيقة من تاريخنا ولكي يكون هناك تصور لحجم الخطر الذي يترتب على إهمال مثل هذا الأمر يجب أن نذكر بمجموعة حقائق على النحو التالي: أولا : الحملة التي تتعرض لها الجامعة العربية وأمينها العام منذ فترة لا أقول تصب في مصلحة وخدمة الخطة الأميركية ـ الصهيونية للمنطقة سواء كان ذلك بوعي أو بدون وعي فلست من أنصار فكر المؤامرة لكن سنفترض حسن النية من الكتاب والمحللين الذين يسيرون في هذا الاتجاه ويرددون أن الجامعة العربية كيان هش وليست لديها القدرة على فعل شيء حقيقي وأنه مضى على هذا الكيان منذ إنشائه اكثر من 55 عاما وبالتالي فالجامعة بحاجة إلى التطوير والتغيير والحقيقة أن هذا الكلام فيه كثير من الحق لا يمكن لإنسان عاقل ومخلص لوطنه وأمته أن يرفضه وعملية التغيير والتطوير أمر مطلوب ولابد منه في كل مرحلة وخصوصا في مرحلتنا الراهنة التي يراد فيها عمليات تغيير جوهري تستأصل ثوابت الأمة وقيمها وفرض أمر واقع عليها باسم الديمقراطية والحرية وتحويلها إلى دمى تحركها الأصابع من وراء جدار وقد أكد الأمين العام الحالي عمرو موسى حين اختير للمهمة ضرورة تطوير ميثاق وآليات عمل الجامعة . ثانيا: لا يمكن لأحد من هؤلاء المتحمسين لتطوير الجامعة أن ينكر أن الجامعة على الرغم من ضعفها الواضح إلا أنها الآلية الوحيدة للترابط العربي وللوحدة العربية حتى وإن كان هذا الترابط شكليا وتلك الوحدة مهتزة ومهترأة تركز على الشكل دون المضمون فأظن أنه في ظل المتغيرات الجديدة في المنطقة - ولا أظن أن أحدا سيختلف معي في هذا الرأي - إذا تم بالفعل تقويض الجامعة بحجة عدم جدواها عن طريق قطع الدعم المادي أو الانسحاب منها ربما يحولنا كعرب أمة واحدة إلى جزر متقطعة لا رابط لها وربما تعذر جمع شمل العرب جميعا في هيئة أخرى تعبر عن الحد الأدنى ولو ببيانات هزيلة تخرج عن القمم التي تعقدها الجامعة لكنها رغم ذلك تؤكد تماسك الأمة وأنها رغم ضعفها البين مازالت الموجودة وأن الأمل في أن تأخذ بزمام المبادرة وتنتفض من جديد كأمة معبرة عن طموحاتها وقوتها يظل موجودا فضعف الجامعة يعود في المقام الأول إلى غياب الدافع والرغبة من جميع الدول الأعضاء في تطويرها وتفعيلها وإذا نظرنا إلى العالم شرقا وغربا سنجدهم يسعون إلى التوحد والتكتل في مجموعات حتى تكون قادرة على مواجهة المخاطر الاقتصادية والسياسية التي تحيط بها فعلى سبيل المثال ضم الاتحاد الأوربي إلى عضويته عشر دول مؤخرا من الدول المعسكر الاشتراكي البائد كما ضمت دولا أخرى من قبل رغم أنها دول كلها فقيرة ومتخلفة لكن إدراكا من دول الاتحاد مثل فرنسا وألمانيا وغيرها أن ضم هذه الدول وتأهيلها هو دعم وقوة للاتحاد حتى وإن كلف هذه الدول الكبرى الكثير من الدعم المادي كما أن هذا الاتحاد يفكر في آلية دفاع مشترك جديد حتى يمكن لهم مواجهة قوى الهيمنة الأميركية اقتصاديا وسياسيا وعسكريا إذا اقتضى الأمر ذلك وهو ما فعلته دول الشرق الأدنى المعروفة بمجموعة الآسيان في تجمعها الاقتصادي وكذلك مجموعة دول أميركا اللاتينية ففي الوقت الذي يسعى فيه العالم إلى التوحد تنطلق بعض الأصوات غاضبة تهدف دون قصد أو دون وعي حقيقي بتمزيق شمل الأمة وتفتيت وحدتها . ثالثا: علينا جميعا دولا وشعوبا بضرورة التفكير جديا في مستقبل العمل العربي المشترك وتفعيل هذا العمل عمليا وواقعيا عن طريق تفعيل الجامعة العربية ومؤسساتها فلماذا لا تشكل لجنة من مجموعة خبراء قانونيين وسياسيين واقتصاديين ومثقفين وعسكريين من كافة الدول العربية لتطوير نظام عمل الجامعة وهيئاتها ولجانها المنبثقة عنها بحيث تصبح أكثر فاعلية في التعبير عن واقع الأمة وأن تكون قراراتها ملزمة للجميع لا أن تكون مجرد شعارات تهدف إلى امتصاص غضب الجماهير وتسكين ثائرتها كلما ألم بنا أمر أو دهمنا غم كما حدث للعراق. أخيرا لماذا لا نبدأ في تفعيل السوق العربية المشتركة ونضعها موضع التطبيق العملي فالسوق العربية المشتركة لم يتجاوز حجم تعاملاتها 8% من حجم التجارة العربية وهو رقم ضئيل جدا ومؤشر على ضعف الرغبة في تفعيل التكامل العربي أو إن شئت قل عن ضعف الإرادة العربية ورغم هذا لا يمكن المطالبة بإلغاء هذه السوق بحجة ضعفها أو عدم قدرتها عن توحيد التكامل الاقتصادي العربي كما لا يمكن لرجال الأعمال العرب والمؤسسات الاقتصادية العربية أن يعفو من المسئولية عن تفعيل العمل العربي المشترك في مجال الوحدة الاقتصادية والسوق العربية المشتركة. رابعا: ضرورة أن تكون للأمة العربية من خلال جامعة الدول العربية أجندة فاعلة ومشاركة حقيقية ودور ملموس في عملية إعادة أعمار العراق من خلال المجلس الاقتصادي العربي ولا ننتظر دعوة من أميركا أو غيرها لأننا أصحاب الشأن ولسنا بحاجة إلى دعوة من أحد. ولا أظن أن ما يدور الآن في العراق ليس ضروريا ولا مهما للأمن القومي العربي ككل فعلينا كعرب ومن خلال الجامعة العربية رغم ضعفها أن يكون لنا حضور قوي وفعال في اختيار الحكومة العراقية القادمة في المرحلة الانتقالية ولكن لابد وأن تكون حكومة معبرة عن جموع الشعب العراقي بجميع فئاته وطوائفه. هذه الأمور لا تحتاج إلى منظمة أو هيئة إقليمية جديدة بديلة للجامعة العربية حتى تضعها موضع التطبيق ولكنها تحتاج إلى إرادة حقيقية للدول العربية من خلال حكوماتها إرادة تعبر عن طموحات شعوبها وتكون لديها القدرة على مواجهة الأحداث وإدراك المخاطر المحدقة بنا والتي تهدف إلى تفتيت وحدتنا إلى مجموعات صغيرة يسهل التهامها واحدة تلو الأخرى حتى نخلي المجال واسعا أمام بديل معد سلفا وينتظر الفرصة ليخرج إلى الواقع ويطفو على السطح على انقاض الجامعة العربية بحجة أنها غير فاعلة أو مضى زمانها وغير ذلك من الأفكار التي تخدم بدون قصد ووعي أعداء الأمة وتقضي على ما تبقى من أمل أمام وحدة عربية حتى وإن كانت وحدة ضعيفة تعبر عن التضامن العربي ولو ببيانات هزيلة بدلا من مؤسسة أو هيئة إقليمية تقضي على ما تبقى من أواصر الوحدة العربية باسم الشرق أوسطية تفتح المجال واسعا أمام التغول الصهيوني في جسد الأمة اقتصاديا وسياسيا وثقافيا وهو ما تهدف إليه المرحلة المقبلة بعد احتلال العراق من إعادة صياغة المنطقة بحيث تكون لإسرائيل الكلمة العليا في مستقبل المنطقة بعد إجبار العرب على القبول بشروط السلام الإسرائيلية أو بعد استسلام آخر المعاقل العربية أمام الضغوط الأميركية للقضاء على المنظمات الفاعلة التي لم تسلم راياتها بعد وتعترف بالهزيمة أمام العدو الصهيوني كمنظمتي حماس والجهاد في فلسطين والتي تأمل أميركا وإسرائيل أن تقوم الحكومة الفلسطينية الجديدة بتلك المهمة بدلا عنها حتى تنجح إسرائيل في تحقيق حلمها في فلسطين أو كحزب الله عن طريق الضغط على سوريا وإيران للتخلي عن دعمه حتى لا يزعج إسرائيل في جنوب لبنان ويجبرها على الفرار أمامه كالفئران المذعورة. أرجوكم ارحموا الجامعة العربية فهي شعرة معاوية التي تعبر عن الوحدة العربية والتضامن العربي فإذا ضغطنا بقوة على هذه الشعرة انقطعت وانفرط العقد وهو مالا يرضاه عربي مخلص لوطنه وأمته فرفقا بتلك الشعرة وكونوا حريصين عليها حتى يكون الأمل في المستقبل قائما فإذا انقطعت تلك الشعرة دخلنا كأمة وشعوب عربية في نفق مظلم لا نعرف قراره ولا ما بداخله ولا متى نستطيع الخروج منه. ـ كاتب مصري ـ جامعة الإمارات