خواطر ـ موت الايديولوجيا وآكلوا الافكار ـ بقلم: مجدي أبوزيد

الاحد 3 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 4 مايو 2003 لعل أفضل استدعاء يناسب كلمتنا تلك هو مقولة لوي التوسير: «لماذا تتصارع الفلسفة حول الكلمات ولا تتصارع حول دلالة الكلمات؟». لكن يبدو ان الفلسفة ليست وحدها المتهمة بهذه السفسطة التي يقصدها التوسير، بل المثقفون ايضا، حيث فقد الكثير منهم القدرة على ملاحقة دلالات بعض المقولات، مكتفين بالنظرة السريعة والانصياع الحرفي لها دون تمحيصها. فمقولة مثل «موت الايديولوجيا» التي شاعت ابان سقوط المعسكر الشرقي يبدو انها تتحرك من وراء الستار وسط الاجواء التي نعيشها الآن على مستوى العالم. والهدف معروف بالطبع وهو تأطير العالم في برواز النموذج الواحد، وجميعنا يتذكر مقولة فوكوياما عن نهاية التاريخ، من ناحية أخرى فإن الترويج لموت الايديولوجيا يسوغ بطش اليد الطولى والوحيدة في العالم لكل من تسول له نفسه الرغبة في المقاومة طالما انها تعرقل البلدوزر الرأسمالي وسطوته. والعرب من اكثر الناس تقبلاً لهذه «الميتة» خاصة عقب نكسة 1967 وهزيمة المشروع الناصري في المنطقة العربية. مما افرز حالة من قلة الحيلة، وانعدام الامل في تبني ايديولوجي تبعث الامل على مواجهة اعداء الامة. والحق يقال ان المرء ليحتار في كيفية القبض على ملامح حقيقية للايديولوجيا العربية، تفرز تجسيداً معقولاً يشعرنا بأننا امام شعارات لها ظل فعلي على الارض فشعار مثل «الاسلام هو الحل»، أو شعار «أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة» استهلك من الحبر والاوراق اكثر من التراب الذي يمشي عليه، لذلك يبدو أن قبولنا لمقولة موت الايديولوجيا اسهل بكثير من البحث عن تفعيل رؤيتنا لانفسنا ولغيرنا. نعود لموت الايديولوجيا بكل ما تحمله من عدم براءة ودغدغة لمشاعر اليأس وتغييب للحقائق. فللأسف الشديد ان كثيرين ربطوا بين الايديولوجيا والسياسة حصرا، الامر الذي يعني تهميش كل اشكال الوعي والممارسات اليومية للإنسان، وهو ما يقصده بالضبط مروجو نهاية الايديولوجيا، اي الربط العضوي بين خفوت النظم السياسية وخفوت المجتمع، رغم ان التعريف الأمثل للايديولوجيا هو الرغبة في التغيير الاجتماعي، اي ان التغيير من المفترض ان يبدأ من القاعدة الى رأس الهرم السياسي، وهو ما لا يرضي اصحاب تلك المقولة الذين يرو ان تأميم العقل السياسي لا بد ان يعقبه تأميم للمجتمع، وبالتالي يكتمل الحصار للأمة المستهدفة. ولقد بات ذلك جلياً في احداث العراق حيث ان الحاق الشعب بالحاكم الحاقاً متعسفاً يجعل الجميع في مهب الريح الحاكم والمحكوم، ويجعل الرغبة في التغيير مشحونة بالفوضى واللاتوازن وهو ما يسعى اليه اصحاب القطب الواحد. حتى يتم السيطرة على الجميع بدعوى الضبط والربط. لذلك من الطبيعي ان يكون شعار موت الايديولوجيا موجهاً بالدرجة الاولى الى السياسيين الذين يتعاملون مع شعوبهم ليس كأفراد بل كأرقام. ان القول بنهاية الايديولوجيا يعني تفريغ المجتمعات من دورها في احداث التغيير اللازم في كافة المجالات، وذلك من خلال تشويه سمعة كلمة «الايديولوجيا» في اذهان الناس، لكن اذا كان هذا التشويه والتلويث للمعنى الحقيقي للكلمة قد حدث على ايدي بعض من يحكموننا، فإن هذا لا يعني ألا نتحلى بأيديولوجيا ما كمرشد سلوكي وكفاحي وحضاري وسياسي يقف بالمرصاد للطاغوت السارح في أنحاء الارض. كان يجب على مثقفينا ان يقفوا ضد هذه الاكذوبة ويشحذوا همم الناس، بأننا لسنا شاحبين لهذه الدرجة، ام ان راحتهم ورفاهيتهم في كنف الانظمة والتنعم بالصمت المثمن حولهم الى «أكلة افكار» على حد تعبير سقراط، لا يفرقون بين المسموم والمهضوم ، لقد خلطوا بين أزمة الايديولوجيا وموتها، وارتأوا ان استقالة العقل اسهل من استقلاله، لذلك فضلوا التعامل مع كلمة «موت» عن كلمة «أزمة» لأن الاخيرة يلزمها خطاب جديد وادوات مبتكرة لتفعيل دور المجتمع والمؤسسات المدنية. نرجو ان يعيد لكلمة «الايديولوجي» وجهها البراق الطافح بروح المقاومة. اخيراً، لنا ان نتوجس من ان مقولة «موت الايديولوجيا» هي في حد ذاتها «ايديولوجيا» على حد تعبير الكاتب سليم دولة ليبقى السؤال قائماً: متى نعلن عن موت «أكلة الافكار»؟

طباعة Email
تعليقات

تعليقات