السبت 2 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 3 مايو 2003 قبل الحرب على العراق اعلن وزير الخارجية الاميركي كولن باول ان من اهداف الحرب اعادة تشكيل الشرق الاوسط وخلال الحرب قال ان تلك الحرب تستهدف حماية اسرائيل وتأمين وجودها في المنطقة. الان وبعد ان تسلم الفلسطينيون قبل ايام خطة «خريطة الطريق» للسلام مع اسرائيل التي يرى فيها فلسطينيو العهد الجديد «مفاتيح القدس» التي لا تأتي الخطة على ذكرها، تترجم الولايات المتحدة تلك الاقوال الى افعال تظهر ببنود الخطة مقرونة بتهديدات الى سوريا باستيعاب الدرس من اهم تغيير جوهري حصل في المنطقة والمتمثل بالامساك الاميركي لاحشاء المنطقة بعد احتلال العراق الذي شكل دائما عمقا عربيا في الصراع العربي الاسرائيلي، وهو نفس التهديد الذي تولى الطرف الاسرائيلي توجيهه الى الفلسطينيين بضرورة استيعاب الدرس من حرب العراق. وتستند الولايات المتحدة في التغيير بالشرق الاوسط الى تغيير في اسلوب معالجة الصراعات، والابتعاد بالحلول عن شرعية الامم المتحدة في الحلول والاستفراد بالحل كما فعلت بالعراق، ورغم الشكل الذي تم فيه تقديم «خريطة الطريق» للفلسطينيين للايحاء بأنها محصلة جهد دولي، الا ان المشاركين في تقديمها يعلمون قبل غيرهم انهم عناصر غير فاعلة في هذا الصراع باستثناء الولايات المتحدة التي ستتولى متابعة التنفيذ أو الايحاء بذلك بعيدا عن الاطراف الاخرى وقرارات مجلس الامن الدولي الخاصة بالصراع العربي الاسرائيلي التي لم تنفذ اسرائيل ايا منها. اليوم تستفرد الولايات المتحدة بالعهد الفلسطيني الجديد بعيدا عن قرارات مجلس الامن الدولي التي همشتها «خارطة الطريق»، بما ينسجم مع العهد الصاعد في بغداد، لذلك تتحدث الخطة عن ضرورة اقامة علاقات عربية اسرائيلية قبل ان يحصل الفلسطينيون على دولة دائمة بحدود نهائية، لضمان نتائج على المستوى الاقليمي تسبق الحل النهائي، لاكمال تشكيل النسيج السياسي الجديد في المنطقة الذي بدأت حياكته في العراق، وابقاء القضية الفلسطينية تطريزا غير مكتمل لذلك النسيج. والخطة تربط في بنودها الخطوة الاسرائيلية بما ينفذه الفلسطينيون في خطوة سابقة، لذلك كان الشرط الاول لاعلان الخطة رسميا «تحرير» القرار الفلسطيني من الرئيس المنتخب ياسر عرفات، وتسليم السلطة لمن ترى ادارة الرئيس الاميركي جورج بوش انه يمكن «التعاون» معه محملا عرفات مسئولية معاناة الشعب الفلسطيني، وكأن عرفات هو الذي يحتل الارض ويقود طائرات الاباتشي الاميركية ليقصف شعبه في غزة وجنين. وفي المقابل لم تطلب الخطة من اسرائيل شيئا قبل ان يقوم العهد الفلسطيني الجديد بتوفير الامن للاحتلال الذي استقبل الاعلان الرسمي عن الخطة بقتل 15 فلسطينيا في بداية «الطريق». ولأي مراقب ان يتوقع نهاية «الطريق» اذا كانت هذه هي البداية. يقول واضعو الخطة انها ليست للتفاوض بل للتنفيذ، وهي التي تركت مسألة القدس واللاجئين والحدود خارج بنودها، ولم تقدم آلية او جدولا زمنيا ملزما للتنفيذ وتركت الحكم على التقدم في التنفيذ لاسرائيل حين طلبت من رئيس وزراء العهد الفلسطيني الجديد قمع الانتفاضة لتقرر هي دون غيرها مدى نجاحه في ذلك، ولتدخله في دوامة المزيد والمزيد من الطلبات قبل الحصول على شيء، في الوقت الذي يمضي فيه قدما التطبيق الاقليمي للخطة باقامة علاقات التطبيع من اجل التغيير الذي اعلن عنه باول والذي بدأ لأجله أمس جولة بالمنطقة قالت عنها كوندوليزا رايس أنها بداية تدخل أميركي عميق لتغيير واقع المنطقة. والشواهد على مدى نجاح الخطة او فشلها بانت يوم الخميس بقتل 11 فلسطينياً برصاص إسرائيل التي تقول بذلك انها ترخي يدها عن الخطة وتشدها على الزناد وانها لن تتعاون في التنفيذ، لادراكها ان الاميركيين غير جديين في الضغط عليها لقرب الانتخابات الرئاسية الاميركية وحاجة بوش للاصوات اليهودية في الولايات المتحدة لاعادة انتخابه حتى لا يقع في خطأ ابيه، وعلى المستوى الفلسطيني فإن رئيس الوزراء الجديد محمود عباس ابومازن الواقع تحت ضغوط داخلية لا تقل عن الخارجية ضعيف الى الدرجة التي سيعجز فيها عن مواجهة التعقيدات الداخلية الفلسطينية، خوفاً من الانحدار إلى حرب أهلية تتمناها إسرائيل، وتحاشياً للجدل الساخن الذي يمكن أن ينشأ تحت عنوان لماذا كانت الانتفاضة إذا كان أقصى ما تقدمه الخطة لا يتجاوز ما كان الوضع عليه قبلها؟! وهل كانت كل تلك الدماء ضرورية من أجل إستئناف المفاوضات إلى أفق مجهول وعلى أساس خريطة بلا معالم؟!