السبت 2 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 3 مايو 2003 برهنت الشواهد التاريخية أن موجات التدين العام عادة ما تعقب الكوارث الكبرى التي تنزل بمجتمعاتنا العربية، ففي أعقاب كارثة 1967 ، عمت المجتمع المصري صدمة مروعة قادت الى حالة من التدين العام، خاصة في أوساط الشباب أدت الى افراز جماعات الاسلام السياسي أو ما عرف حديثا بالجماعات الاسلامية. والآن في العراق يتم استدعاء الدين بشكل أكبر وأضخم مما عرفه المجتمع المصري في اعقاب 1967. فالدين في العراق يتم استدعاؤه على مستويين: المستوى الأول: الدين كرباط بين جميع أبناء العراق. المستوى الثاني: الدين كمحور للتمايز المذهبي «في اطار الرابط العام للمجتمع». فالدين هو القادر على تنظيم الصفوف في مواجهة المحتل، بل وهو القادر ـ من خلال المؤسسات والجمعيات ـ على تحقيق الحاجات اليومية للناس في ظل الفراغ الناجم عن انهيار الدولة. ويمكن القول ان كارثة العراق، وبما أحدثته من صدمة عنيفة واحباط قاتل على المستوى العربي عموما، قادت الكثيرين الى حضن الدين، فتلك الصدمة الناجمة عن سقوط بغداد دفعت بشباب كثيرين على امتداد الخريطة العربية الى هذا الاتجاه. وهذا التحول بلا شك قد يزعج جهات كثيرة من الاجهزة والمؤسسات المسئولة عن صناعة القرار، فتلك الاجهزة لم تعرف من التدين سوى نهجه الدامي «او هكذا تزعم» فقد اكتوت بنيران جماعات العنف السياسي.. وتجربتا الجزائر ومصر ماثلتان في العقول. ولعل في هذه المخاوف العربية ما يبث الطمأنينة لدى القوى الكبرى التي ترصد هذه الظاهرة (في عمومها) رصدا دقيقا، حيث تتخوف من استمرار صعودها. ومن ثم فان تلك القوى وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية، مارست ضغوطا كبيرة تحسبا لذلك، بل لا تزال تمارس ضغوطها لكبح هذا الصعود والتنامي. وهذه الضغوط بقدر ما تسعد عربا كثيرين ارتضوا الصدام مع تيار التدين أو بالأخص مع التيارات الاسلامية، فانها الآن قد تسبب لهم نوعا من الارباك، خاصة مع تصاعد العداء الشعبي العربي للولايات المتحدة الأميركية منذ العدوان على العراق، ذلك العدوان الذي تحول الى احتلال دموي. ومن ثم فان صدام الدولة العربية وأجهزتها مع هذا التيار ـ في الوقت الراهن ـ يقودها الى مشكلات قد لا ترغب فيها الآن. وتدرك الولايات المتحدة ان تعاظم ضغوطها سيقود الى الصدام بين الدولة العربية وهذه التيارات، ولذا فهي تمضي في هذه الضغوط بكل قوة وقسوة. وهذا ما شهدناه على مستوى السلطة الفلسطينية وعلى مستوى التعامل الاميركي مع سوريا وعلاقتها بحزب الله. وهذا هو الجانب المعلن من الضغوط.. وما خفي أكثر. وقد تشهد الايام المقبلة توسيع دائرة الضغوط الاميركية تحت ذريعة ضرب «الارهاب» لتشمل كل أشكال التدين على المستوى العربي، فالولايات المتحدة حققت بعض اهدافها في العراق الا أن اهدافا اخرى ظهرت مع المستجدات وهي بروز قوة المؤسسات الاسلامية وعلماء الدين في العراق، مما قد يعوق تحقيق الاهداف الاستراتيجية الاميركية في العراق. وقد تلجأ الولايات المتحدة الى محاولة تصفية هذه البؤر الجديدة المعوقة لها. وهنا يلتقي الهدف الاميركي على ارض فلسطين ولبنان مع أهدافه في العراق، حيث تعتبر الحركات الاسلامية الفلسطينية واللبنانية ملهمة لعموم المسلمين في التصدي للمحتل الاجنبي. وتأتي الضغوط الاميركية الاسرائيلية (والعربية أيضا) لفرض حكومة محمود عباس كي تؤدي بعض هذه الاهداف في اطار ضرب حركات المقاومة عموما وحركتي حماس والجهاد على وجه الخصوص. وقد أعلنت الحركتان انهما ترفضان نزع سلاحهما، مما يعني ان فلسطين المحتلة مقبلة على صراعات قد تكون دموية. وتأتي في هذا السياق أيضا الضغوط الأميركية التي تمارس بقوة على سوريا، فأحد مطالب أميركا من سوريا هو التخلي عن حزب الله بل حل الحزب وتصفيته. وربما تستهدف الخطط الأميركية الاسرائيلية ـ خلال فترة قريبة ـ اشعال صراعات عربية ـ عربية بين اجهزة الأمن وبين التيارات الاسلامية، خاصة في الدول المهمة وتلك التي لا يزال فيها لهذه التيارات حضور قوي. فتلك التيارات ـ خصوصا ـ ترفع راية المقاومة ضد المخططات الأميركية والاسرائيلية، كما أن هذه التيارات هي الاكثر عددا والاقوى تنظيما في بعض الدول العربية. وقد يكون الهدف الأميركي هو شغل العرب بصراعاتهم الداخلية عن العراق، خاصة في حال اندلاع مقاومة عراقية. ولا شك ان وقوع الدول العربية في شرك المخططات الأميركية يؤدي بالضرورة لاضعاف العرب من الداخل واستنزاف قوتهم بما يترك المجتمعات العربية مفتوحة أمام التدخلات الأميركية. فقد اثبتت تجارب الصراع العربي الاسرائيلي والنضال ضد الاستعمار ان الدين يمثل سلاح العرب الاستراتيجي، «في ظل حرماننا من امتلاك الأسلحة الاستراتيجية عسكريا»، فالدين هو الذي يحفز الفرد العربي الى التضحية بنفسه طائعا عملا بقول الله تعالى «ان الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة» وهو خط الدفاع في مواجهة مخططات محو الهوية العربية. ورغم ما يمثله التدين احيانا من مشكلات للحكومات الا أنه اثبت فعاليته في منعطفات تاريخية كثيرة. ففي مصر شكل الاقباط والحزب الوطني بقيادة مصطفى كامل ثم الاخوان المسلمون الى جانب حركة مصر الفتاة حائط الصد أمام هجمات الانجليز على الهوية المصرية.. وفي الجزائر والمغرب كان الدين حاضرا بقوة خلال الصراع مع المستعمر الفرنسي.. وهذا ايضا ما كان في فلسطين ضد الانجليز والحركة الصهيونية منذ ثورة عز الدين القسام.. ولا نزال جميعا نذكر دور حزب الله في تحرير الجنوب اللبناني من الصهاينة.. بل ان الدين مثل ايضا عنصر تحرير من الاستبداد الداخلي ومن التبعية الخارجية في الثورة الايرانية عام 1979. وليس من الحتمي أن يوجه التدين ـ مستقبلا ـ ضد الحكومات، رغم ان ذلك جرى بالفعل. فمن الممكن ان تؤدي الأخطار الخارجية الى تعبئة التدين لمواجهة مخططات الاستعمار الجديد المتمثل في الولايات المتحدة واسرائيل. وذلك ما يجب التنبه له عبر تمكين المؤسسات الاسلامية المشهود لها بالعلم والوطنية مثل الازهر الشريف وغيره، فمن الممكن ان تقود المؤسسات العلمية ثورة جديدة داخل الاسلام لصالح الاسلام والمسلمين. وليس عملية تدجين وتخريب كما تريد واشنطن. ولن يتحقق لهذه المؤسسات الاسلامية دورها ما لم تطلق يدها ليكون صوتها أقوى من صوت دعاة التطرف. اما ان استمر الحال على ما هو عليه من تقييد لحركة هذه المؤسسات فإن ذلك يتم حتما لصالح دعاة العنف والتشدد وهنا يظل التدين مصدر ضعف يأكل من رصيد الأمة ومستقبلها، والأسوأ من ذلك هو استمراء الرضوخ للمخططات الاميركية. ومن ثم تصفية كافة اشكال المقاومة لخدمة الأهداف الاميركية في العراق ومن ثم الى كل المنطقة. التطرف الديني مدان ومرفوض، ولذلك فنحن مطالبون بتوظيف التدين بمعناه الايجابي لخدمة استراتيجيات الأمة ليكون معنا ضد أعدائنا، وليس مع أعدائنا ضدنا.. وأمامنا في فلسطين ولبنان والعراق اختبار صعب وشاق.