مآل خارطة الطريق بعد عاصفة العراق ، بقلم: علي بدوان

السبت 2 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 3 مايو 2003 من مفارقات الحالة الفلسطينية أن تكرر الأمور ذاتها، مرة بلبوس قدري يستوعبه الشارع، ومرة بلبوس قهري استبداي مفروض، ومرة بلبوس مأساوي يلخص التراجيديا الفلسطينية منذ العام 1948، وكأن قدر الفلسطينيين أن يدفعوا دوماً ثمن التحولات التي تقع في المنطقة وأحياناً في العالم، كما دفعوه أكثر من مرة. ولعل كارثة حرب الخليج الثانية شاهد عيان بعد أن تم دفع الفلسطينيين رغماً عنهم للقبول بتسوية ظالمة ومجحفة مازالت عجلاتها غارقة في الأوحال. وبعيداً عن النظام الذي تهاوى في بغداد، وبعيدا عن أي حاكم كان على أرض العراق، أو أي حاكم جديد ـ بعيداً عن هذا ـ تضيف مأساة العراق وانفلات الوضع الداخلي في معظم المدن العراقية بعد أن انتهت المرحلة الأولى من الحرب، هموماً جديدة بالغة القسوة لم يكن أي من العرب أو الفلسطينيين منهم على وجه الخصوص بحاجة إليها، فبارومتر الملف الفلسطيني يتأثر ويتأرجح بشكل شديد الحساسية مع ملفات المنطقة بأسرها، خاصة وأن الموضوع العراقي أضحى متقيحاً يرهق فلسطين ويرمي بتداعياته القضية الفلسطينية والمسألة التفاوضية بين الدول العربية المعنية والدولة العبرية الصهيونية. ومناسبة هذا الحديث ما يجري راهناً من حراك سياسي يتناول ويصيب القضية الفلسطينية في ظل الضباب المخيم على الشرق الأوسط بعد عاصفة الحرب على العراق وانتهاء المرحلة الأولى منها. وقبل اندلاع الحرب بقليل كان شارون وحكومته الائتلافية قد أعدا التعديلات الأولية على خارطة الطريق الاميركية للتسوية على المسار الفلسطيني ـ الاسرائيلي، آخذين بعين الاعتبار مجموعة من التعديلات التي تنسف الخطة على مافيها من مساويء ومثالب، ولم تقف مسبحة التعديلات عند حدود ماقبل الحرب فانتقل شارون عبر رسوله ومدير مكتبه فايسغلاس إلى طرح تعديلات إضافية تهبط بالخطة نحو الحضيض. فالتعديلات الأساسية التي قدمها شارون على خارطة الطريق تزيد عما سبق أن تم طرحه قبل حرب العراق ـ و«مزاد سوق ماقبل الحرب يختلف بالضرورة عن بيدر ما بعدها» ـ فغاب التصور السياسي الاميركي للتسوية بحدوده الدنيا عند شارون وحل مكانه «ثوابت صهيونية تامة» وعناوين جامعة لأقطاب وزارة شارون الائتلافية تقوم على رفض حق العودة الفلسطيني، ورفض المساس بـ «يهودية وصهيونية» المدينة المقدسة في إطار «متروبلين القدس الكبرى». إن شارون مازال محكوماً ومشدوداً بقوة إلى مشروعه السياسي للتسوية الفلسطينية ـ الإسرائيلية عنوانها: دولة فلسطينية على 42% من مساحة الأراضي الفلسطينية المحتلة في العام 1967 ومن غير القدس. وتكون هذه الدولة مقطعة الأوصال وتتشكل من سبعة كانتونات في الضفة الفلسطينية، والتواصل بينها من خلال أنفاق وجسور علوية. وتكون ممرات هذه «الدولة» الجوية والبرية والبحرية بيد حكومة شارون، هذا إضافة إلى «شرط شطب حق العودة» للاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم التي طردوا منها. وفي سياق مشروعه، تدفع حكومة شارون بغول الاستيطان ليمتد على ما تبقى من الأراضي الفلسطينية لرسم خارطة جديدة لإسرائيل لا تنسجم بل تتناقض مع «خطة الطريق» في سياق المئة تعديل المقدمة من شارون، فضلاً عن رفض أي دور للجنة الرباعية الدولية المشكلة من أوروبا وروسيا والأمم المتحدة لحصر الأمور بين فكي كماشة. بكل الحالات، وأمام التطورات المستقبلية في ظل تواصل ما يجري على الأرض الفلسطينية من جانب، وتفاقم العجز السياسي الإسرائيلي عند النخب والأحزاب عن تقديم أجوبة المرحلة بصدد تسوية الشرعية الدولية، فان ضباب عاصفة العراق أو حرب الخليج الثالثة وتداعياتها سيبقى يلف المنطقة إلى حين من الزمن قد يطول ويقذف معه خارطة الطريق نحو مآل المجهول، وكل هذا لا يبشر إلا باستمرار دوامة العنف. وعليه فإن الإسراع لطي ملف العراق وتشكيل حكومة ائتلاف وطني مؤقتة ومعترف بها تحضيراً لانتخابات برلمانية شاملة أصبح ضرورة لاغنى عنها، فضلاً عن اشتقاق سياسات عربية ناضجة تنشط من الحركة الدبلوماسية ومن حضور المبادرة العربية التي سبق أن قدمت في مؤتمر قمة بيروت مارس 2002 بشأن التسوية في الشرق الأوسط. فهذه السياسة يمكن لها أن تسهم في عزل حكومة شارون وتعريتها أمام العالم باعتبارها تشكل أعتى حكومات اليمين المتطرف في العالم. ـ كاتب فلسطيني ـ دمشق

طباعة Email
تعليقات

تعليقات