السبت 2 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 3 مايو 2003 هل ينجح الرئيس مبارك والرئيس البشير فيما فشل فيه سلفاهما الرئيس السادات والرئيس نميري في تحقيق التكامل الاقتصادي والسياسي بين مصر والسودان؟ للاجابة عن هذا السؤال ينبغي ان نعرف أولا أسباب الفشل الماضي. هناك ثلاثة أسباب رئيسية هي: أولا: تغليب الاعتبارات الأمنية على الاعتبارات الاقتصادية بحيث ان المشروعات الاقتصادية المشتركة المتفق عليها لم تكن تحظى الا بمرتبة دنيا في قائمة الأولويات. ثانيا: غياب الندّية والتكافؤ في التعامل الثنائي الرسمي. ثالثا: تعجّل التنفيذ. فبدافع اعتبارات الكسب الدعائي الجماهيري كانت القيادتان تتعجلان تحقيق كل شيء دفعة واحدة وفي وقت وجيز.. وبالتالي لم يتحقق شيء ذو بال. كان ذلك في عقد سبعينيات القرن الماضي، والآن ومع مطالع الألفية الثالثة نتساءل: ما هي فرص نجاح التكامل بين مصر والسودان؟ احياء مشروع التكامل هو ثمرة اللقاء الذي جرى في الخرطوم قبل بضعة أيام بين الرئيسين مبارك والبشير. في بيان رسمي اعلن الرئيسان تفعيل اجهزة التكامل التي أرسيت في الماضي بمشروعات استراتيجية للأمن الغذائي وتشكيل امانة للتنفيذ والمتابعة تحت اشراف لجنة عليا مشتركة. هل نستطيع ان نقول اذن ان هذه البداية الجديدة واعدة؟ في تقديري ان الاجابة هي بالايجاب. فيبدو ان الطرفين قد وعيا درس الماضي واستخلصا من تجارب الفشل فهما جديدا للأمور. وبينما لا يمكن ان نقول ان الاعتبارات الأمنية قد اسقطت تماما فاننا نستطيع أن نقول ان الحكومتين توصلتا الى قناعة مشتركة بضرورة الفصل بين ما هو أمني وما هو اقتصادي بحيث لا يطغى التعاون الأمني على مسار المشروعات الاقتصادية المشتركة. هذه القناعة المشتركة لم تأت من فراغ.. ولم تأت على نحو فجائي.. وانما تبلورت عبر تجارب مريحة وتوترات حادة تبعتها سلسلة من الحوارات الثنائية المطولة. فعلى مدى ما يقارب السنوات العشر منذ ان تولى «نظام الانقاذ» تدهورت العلاقات بين الدولتين الشقيقتين الجارتين الى مستوى العداء الصريح. وبلغ التوتر اعلى ذراه عندما اتهمت القاهرة الحكومة السودانية بأنها وراء محاولة اغتيال مبارك في اديس ابابا عام 1995. ولكن اواخر عام 1998 وقع تطور خطير على الصعيد السلطوي في السودان عندما خرج الى العلن شقاق حاد ومصيري داخل الحزب الحاكم بين فريقين يتزعم احدهما الرئيس البشير والآخر الدكتور حسن الترابي. وكان هذا هو الحد الفاصل بين عهدين في مسار العلاقات المصرية السودانية. مع اندحار فريق الترابي المتشدد بأجندته الجدلية اصبح الطريق سالكاً لعلاقة جديدة بين السودان ومصر على اساس براغماتي وودي مفعهم بالثقة المتبادلة. وبالتدرج أخذت قوة العلاقة الثنائية تصعد صوب شراكة استراتيجية مبنية على معطيات الواقع على خلفية استرداد السودان علاقاته الطبيعية في العالم العربي وافريقيا وأوروبا.. وحتى مع الولايات المتحدة. والآن تأتي الدعوة بين الطرفين الى احياء التكامل الاقتصادي كذروة عليا لهذا التدرج وفي هذه الاثناء حدث تغيير اضافي، فالعلاقة الجديدة قامت ايضا على اساس من الندية والتكافؤ وكاقرار لمبدأ تبادل المصالح. ويبدو الآن ان الطرفين مقتنعان بأن الطموح المبالغ فيه مع العجلة لن ينتهي بهما إلا الى الفشل. هذا ما نستشفه من التركيز المرحلي على استراتيجية الامن الغذائي مع تأجيل غيرها من المشروعات. وهناك مشاريع ودراسات جدوى جاهزة لتحقيق الاكتفاء الذاتي للشعبين الشقيقين في اغذية اساسية مثل القمح واللحوم، واذا كان تنفيذ مثل هذه المشاريع يحتاج لوفرة الارض الزراعية والمياه مما يتوافر لدى السودان فإنها تحتاج ايضا الى الخبرة مما يتوافر لدى مصر. وللتكامل بين مصر والسودان فوائد اضافية للشعبين ربما لا تكون منظورة راهناً بقدر كافٍ في الوضوح، فالتزاوج الاقتصادي بين البلدين سوف يكون اساساً لقيام سوق مشتركة ثنائية تكون هي نفسها نواة لسوق مشتركة عربية، وبينما يوفر التكامل ايضا حلاً جزئياً لمشكلة الانفجار السكاني في مصر فإنه سوف يؤدي كذلك الى تمتين الانتماء العربي الاسلامي للشعب السوداني.