سيدة جميلة في سرادق عزاء!، بقلم: عادل حموده

السبت 2 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 3 مايو 2003 في كل مأتم من مآتمنا القومية تقف «سيدة» جميلة وقورة متزنة على باب «السرادق» تتقبل العزاء وتشد على أيدينا وتتمنى لنا الصبر على ما نحن فيه.. لكن.. ما أن ينفض الحزن ويجف الدمع وينتهي «المقرئ» من تلاوة ما تيسر من آيات الذكر الحكيم حتى تختفي.. تذوب.. تتبخر تماما.. كأن الأرض انشقت وابتلعتها.. ومن شدة تأثيرها نظل نتذكر روعتها.. ونتغزل في حسنها.. ونحلم بقرب وصالها.. على أننا سرعان ما ننساها.. ننسى عطرها الذي فر هاربا معها.. ننسى حيويتها التي لم نر مثيلا لها.. هذه المرأة التي تظهر كالبرق وتختفي كالبرق هي «الديمقراطية». لقد ظهرت «الديمقراطية» في مأتم هزيمة 1967. وفي مأتم احتلال العراق للكويت.. وفي مأتم المجازر الارهابية والطائفية.. شدت على أيدينا.. وذكرتنا بأهميتها.. واختفت.. وقد عادت هذه الأيام لتقف كعادتها على رأس سرادق العزاء الكبير الممتد بطول الوطن العربي في مأتم الاحتلال الأمريكي للعراق.. عادت.. فسخنت وفارت من جديد مشاعرنا تجاهها.. ففي كل كارثة قومية نعلن أن السبب هو غياب الديمقراطية.. ومساحة من النظم العربية التي تفتقد العقلانية.. وتخرج من مأزقها الداخلي بمغامرات خارجية. من جديد عدنا - وسط أكبر عملية جلد للذات - نتحدث عن الديمقراطية وضرورتها وحيويتها وقدراتها الفائقة على تجنب كوارث قومية ووطنية قادمة وتحقيق قدر الشفافية المطلوب لنجاح التنمية الاقتصادية والاجتماعية.. ويبدو الحديث عن الديمقراطية هذه المرة مختلفا.. فقد كانت ديكتاتورية النظام السياسي العراقي السابق ذريعة وغطاء لحرب شرسة وقاسية على دولة عربية عريقة وثرية انتهت باحتلال أجنبي بصورة أو بأخرى حسب ما ستستقر عليه الأوضاع على الأرض هناك.. وكأن الرسالة التي جاءت بها مواسير المدرعات وحاملات الطائرات وأجهزة المخابرات هي: إن من لم يكن ديمقراطيا بإرادته سيكون ديمقراطيا غصبا عنه.. ورغم غرابة الرسالة فإنها فجرت كل مشاعر الشوق الى الديمقراطية.. ووضعت خطوطا خضراء تحتها ونسبت الى غيابها كل الخطايا والشرور.. والفساد.. التمزق.. التنصت.. الفقر.. التسلط.. وغيرها مما يحفظه المواطن العربي وبات جزءا من طبيعته وملامحه. ولست مقتنعا بأن الديمقراطية يمكن فرضها بجيوش غازية.. الجيوش الغازية لا تقاتل في سبيل ديمقراطية غيرها.. الجيوش الغازية تقاتل في سبيل مصالحها.. ولتحقق أهدافها.. ومهما كانت الشعارات براقة وجذابة فإنها في النهاية تظل مثل كلام الليل المدهون بالزبد ما أن تطل عليه شمس الحقيقة حتى يسيح ويتبخر.. وقد جاء الاستعمار الأوروبي في قرون سابقة وهو يرفع شعار المدنية باعتبارنا همجيين من أكلة لحوم البشر.. وكان أن نسى الشعار فور أن وضع يده على ما ننتجه من مواد خام.. وانشغل بتعليم طبقة اجتماعية صغيرة - تسانده في الحكم - كيف تشرب شاي الساعة الخامسة؟.. ولو لم تكن الديمقراطية ذريعة مناسبة لتحقيق مصالح قوى عظمى فإن هذه الذريعة قد ترتدي ثيابا أخرى.. تلوث البيئة.. مواجهة الارهاب.. تحقيق الوحدة الوطنية.. مناصرة أقلية دينية تراها مضطهدة... مثلا. على أن ما يلفت النظر في الحديث الصارخ والضاغط عن الديمقراطية الآن هو أنها بدت وكأنها سلعة سابقة التجهيز يمكن استيرادها من الخارج والتعامل بها على طريقة قيادة السيارات أو طريقة صنع عجينة البيتزا.. شئ سهل.. ساحر.. نحصل عليه بمجرد ازالة الغبار القائم من عليه.. مثل جني مصباح علاء الدين.. إن السؤال المباشر في هذه القضية هو: هل يمكن أن نكون ديمقراطيين بمجرد أن نقرر ذلك؟.. هل يمكن أن تتوافر الديمقراطية وتقبل بالمكوث لدينا بمجرد إقرار مجموعة من المبادئ القانونية والأصول الدستورية التي تكفل وجود مؤسسات سياسية وتشريعية وقضائية وتنفيذية مناسبة؟ إن الإجابة عن ذلك قد تكون مضللة.. فكل النظم التي تستشعر حاجتها الضرورية للديمقراطية فيها حكومة وبرلمان ومحاكم وصحافة وجمعيات أهلية وأحزاب.. فيها كل مؤسسات الديمقراطية الموجودة في الدول التي نثق في أنها ليبرالية.. وهو ما يعني أن الديمقراطية ليست مؤسسات شكلية.. قد تكون وهمية.. وإنما هي قضية قوى اجتماعية واقتصادية قادرة على فرض وجودها بثقلها النسبي على السلطة القائمة.. قوى اجتماعية واقتصادية مؤمنة بقيم ثقافة الحرية.. ومستقلة في تصوراتها المستقبلية.. ولا تشعر بتفوقها لأسباب دينية أو عرقية أو جنسية.. وهو ما يعني أن معوقات التحول للديمقراطية ليست فقط معوقات رسمية.. وإنما هي أيضا معوقات شعبية.. فلو كانت السلطة الأبوية تؤمن بمبدأ إطعام الفم لتستحي العين فإن الجماعات الشعبية لا تقل فاشية أحيانا عن القوة القهرية.. فكثيرا منها يتصور أنه ظل الله على الأرض.. وأن ما يقوله مقدس لا يجوز المساس به.. وبعضها يخرج المرأة (نصف المجتمع) من حساباته السياسية.. والبعض الآخر يرى أن سلطته أهم من سلطة المجتمع المدني.. وربما كانت سنوات الديكتاتورية الطويلة التي عاشها الناس في عالمنا العربي الممتد من المحيط الى الخليج خلطت الأوراق والمشاعر بين الحاكم والمحكوم.. بين القاهر والمقهور.. بين الضارب والمضروب.. ومن ثم تشابه الجميع.. وتعقدت المشكلة أكثر.. فقد أصبح علينا تغيير العقلية التي تسيطر على الكل وعلاج حبالها الضعيفة من أطرافها المختلفة. وربما كان ما يوصف بالنخبة السياسية والثقافية هو نقطة البداية لكسر الحلقة المفرغة التي تدور فيها.. فهذه النخبة هي الخطوة - المفتاح للتغيير.. وهنا تقفز التجربة الليبرالية المصرية لتكون مرشدا ودليلا.. فهي أقدم تجربة من نوعها في المنطقة الراغبة في الديمقراطية.. بل ربما سبقت تجارب ديمقراطية في دول أخرى مستقرة فيما تفعل وفيما تحلم.. إن الديمقراطية تقوم على أساس طبقات بورجوازية صناعية وتجارية وعمالية تؤمن بالحرية الفردية وتعكس ثقلها عبر أحزاب مختلفة وتؤمن بأن الحكومة هي مجرد وكيل عنها لتحقيق مصالحها.. ولو لم تقدر على ذلك تسقط وتتغير عبر صناديق انتخاب زجاجية شفافة.. وهو ما يعني أنه بدون هذه الطبقات القوية والضاغطة يصبح الكلام عن الديمقراطية نوعا من أحلام الشعراء بالجنة الموعودة ونوعا من أحلام الفقراء برغيف الخبز.. فعندما تكون السلطة الحاكمة هي مصدر الوظائف والثروات فإنها لا تجد مبررا للتغيير.. ولا داعيا لتداول السلطة.. وتصبح الديمقراطية هي مجرد ديكور ومكياج تلجأ اليها من باب الدعاية الخارجية.. «البروباجندا». ولو لم تكن هناك طبقات داخلية ضاغطة لتحقيق الديمقراطية فقد تجد بعض النظم التي تعتمد على العالم الخارجي في كثير من المساعدات والهبات والمعاملات نفسها مضطرة بمواربة الباب بقدر ما يفرض عليها من شروط وقيود سياسية لتحقيق مصالحها الاقتصادية والتجارية.. ولكن.. العالم الخارجي عادة ما ينظر الى مصالحه أكثر مما ينظر الى الديمقراطية.. بل أنه يعتبر النظم ديمقراطية بقدر ما تحقق له هذه المصالح حتى لو كانت تضرب شعبها بالكرباج.. ويصفها بالديكتاتورية إذا ما عجزت عن تحقيقها حتى وإن كانت مؤمنة بالتحول ناحية حكم القانون.. وكلها في النهاية مقاييس ومكاييل مؤقتة متضاربة لا يجوز أن نعتد بها.. فالعبرة بقوة الطبقات الاجتماعية الداخلية وحيويتها وليس بضغوط القوى الخارجية وتحكمها. وقد تغيرت هذه الطبقات في مصر خلال المائة سنة التي مضت.. لقد كان عدد سكان مصر في بداية القرن العشرين نحو 10 ملايين نسمة وكانت النخبة السياسية مستقلة عن السلطة السياسية بحكم سيطرة هذه النخبة على ما وصف فيما بعد بالإقطاعيات الزراعية.. وهو ما منحها عصبية ريفية حملتها في الوقت المناسب الى البرلمان.. وجعلتها تتجرأ على السلطة الحاكمة وتحاسبها إذا ما اقتضى الأمر.. وفي الوقت نفسه كان عملها السياسي تطوعا واختيارا وليس جبرا أو ارتزاقا.. وفي ظل الاحتلال الأجنبي لم تتعارض مصالح هذه النخبة مع مصالح السواد الأعظم من الناس.. بل أن الناس كانت تنظر الى النخبة باعجاب لأنها تقاوم الاستعمار.. وتحاول أن تسحب منه السيطرة الخارجية على معظم المؤسسات الاقتصادية الحيوية (البنوك والمصانع والشركات الزراعية والعقارية) وتمصرها (تجربة طلعت حرب في بنك مصر مثلا).. وعندما قامت ثورة 1919 ساندتها النخبة ووجدت فيها تجسيدا لليبرالية التي جاءت بها الثورة.. الدستور ومجانية التعليم الالزامي والبرلمان وحرية الصحافة والاصلاح الديني وخروج المرأة من أسر النظرية التركية.. وفرشت الليبرالية السياسية الأرض بالرمل أمام الليبرالية الاقتصادية.. فقد ظهر بنك مصر الى الوجود وبدأت الرأسمالية المصرية الصناعية والتجارية نموها بعد سنوات ليست قليلة من استقرار طبيعة العملية الحزبية.. ولم يعطل نضج التجربة سوى ظهور جماعة الإخوان المسلمين وتقاطع الدين والسياسة والتحالفات المتكررة بين قيادات الجماعة والقصر الملكي.. ودفع الجميع ثمن هذه الانتهازية. ورغم عيوب تلك التجربة فإنها محيت تماما من ذاكرة الأمة فور قيام ثورة يوليو وبدت وكأنها عار لا يجوز تكراره.. ولم تكتف الثورة بالهجوم عليها.. وإنما دمرتها من جذورها.. فتت الملكية الزراعية وكسبت تأييد السواد الأعظم من الفلاحين.. وأدى هذا التفتيت الى ضياع نفوذ الأعيان وتراجع النفوذ السياسي لقوة اجتماعية ضاغطة ومؤثرة.. وهو ما تكرر أيضا مع طبقة الرأسمالية المصرية والأجنبية.. ولم يشعر المصريون بالحاجة الى الديمقراطية بعد أن ساهمت العدالة الاجتماعية الهائلة التي تحققت في علاقة سمن على عسل بين الناس والسلطة.. ولم تفسد هذه العلاقة لأسباب ذاتية وإنما لأسباب خارجية.. هزيمة المشروع القومي الناصري في يونيو 1967.. في تلك اللحظة بدأ الحديث عن الديمقراطية نوعا من القش الذي نمسك به بحثا عن تفسير مناسب لما جرى.. ولم يكن ذلك هو التفسير الوحيد.. كان هناك تفسير آخر.. هو التفسير الديني.. وهو تفسير يرد كل شئ الى طاعة السماء أو عصيانها.. وقد قيل إننا هزمنا لأننا ابتعدنا عن الله.. وقيل أن الزلزال غضب من الله.. والفساد أيضا.. والتخلف الاجتماعي والاقتصادي كذلك.. مع أن الذين يؤمنون بذلك هم أنفسهم الذين يرون الغرب بكل ما فيه من قوة ونهضة وتفوق يعاني من ضعف في الايمان. إن ثورة يوليو لم تؤمم فقط المؤسسات الاقتصادية وإنما أممت أيضا المؤسسات السياسية.. وكما عانت الخصخصة الاقتصادية من متاعب عانت الخصخصة السياسية (إذا جاز التعبير هنا) من متاعب أكثر.. وكما نشأت مؤسسات القطاع العام بقرار من السلطة وفي أحضانها نشأت مؤسسات الأحزاب المعارضة بقرار منها وفي أحضانها.. وقد عانت هذه الأحزاب مما ترفضه ليل نهار.. تغيير دمائها بنفسها.. وبقيت على ما هي عليه دون تغير يذكر.. بل أنها في كثير من الأحيان قبلت وقنعت بالفتات الذي يلقى لها.. وتصورت أن ذلك هو منتهى المراد من رب العباد.. فزادت من حالة الركود ولم تساهم في الخروج منه.. وهو ما دعم حالة الفراغ السياسي واللامبالاة تجاه كل ما يجري في ملاعب الحياة الحزبية.. وهو أيضا ما دفع الغالبية من الناس الى الدين بحثا عن تفسير لما يجري.. وحلا لما هو مستعص.. أما الطبقات الوسطى الصاعدة والمؤثرة في الحياة السياسية فقد أثرت الانعزال في منتديات كلامية مأمونة وأفرغت شحنتها فيما يسمى «الروتاري» و«الليونز».. وهي نوادي اجتماعية محرم عليها الكلام في السياسة.. إن نقطة البداية الصحيحة للديمقراطية والتنمية الاقتصادية والصحة النفسية هي تنشيط الطبقات الوسطى وتشجيعها على الصعود وتوفير الأمان السياسي لها وعدم توريطها في القتال الشرس والمهين أحيانا حول لقمة العيش.. بدون هذه النقطة - المفتاح لن نرى الديمقراطية إلا في المآتم القومية. ـ كاتب مصري

طباعة Email
تعليقات

تعليقات