استراحة البيان، يكتبها اليوم: ظاعن شاهين، بقايا صور وشعراء

السبت 2 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 3 مايو 2003 «لا أدري من أي الأبواب أبدأ، فجميعها مفتوح على مصراعيه».. هذه العبارة قالها أحد الشخصيات المهمة في روسيا، وهو يتأبط ذراع ممرضته الدائمة، ويتكيء بتؤدة على عكاز من زمن قديم، هو زمن الاتحاد السوفييتي سابقاً، فكل شيء أصبح مخترقاً، ضمائر الناس، ذممهم، أسرارهم الشخصية، أوراقهم الخاصة، علاقاتهم الحميمة.. كل ذلك ومازال البحث ينهمر كالمطر ولا يتوقف. والقضية لا شيء سوى بيع مرحلة زمنية من العمر لمن يدفع أكثر. تفكك الاتحاد السوفييتي هكذا دون حرب أهلية أو صراع أو طلقة رصاص.. ببساطة وضع مهندس تلك المرحلة المثيرة من عمر روسيا العظمى مغزله في عقدة السجادة المترابطة، فسحب نسيجها متباين الأعراق والثقافات والأديان، وتركها راحلاً إلى كتبه ونظرياته ومحاضراته. والآن ماذا تبقى ليباع؟ جاء السؤال مهتزاً تطويه الرعشة ويغلفه البكاء، فقد آثر الرجل المريض أن يتوارى عن تلك العيون الطفيلية التي تطالبه بالحاح أن يساهم في إنارة الرأي العام بكتابة مذكراته، بينما هو لا يريد أن يكون مادة يومية تمضغها الأفواه.. أراد أن يموت كما تموت الأشجار واقفة ولا ينثني لرياح التغيير التي بدأت تهب من كل الاتجاهات، وتدخل من النوافذ والأبواب المشرعة والسقوف ولا تستأذن أحداً. هكذا تبدو الأمور اليوم، كل شيء أصبح معروضاً للبيع، ونحن بين هؤلاء وهؤلاء ندير عيوننا يمنة ويسرة، فمن مذكرات غورباتشوف إلى وصايا يلتسين، ومن أسرار الليدي ديانا إلى خبايا طارق عزيز، ومن كتب المثيرة مونيكا إلى أوراق جون كيندي الابن، نتواصل في زمن تتصدره المعلومات وتشكّله الأسرار والأوراق السرية التي يتم كشفها عنوة، فعصر المعلومات كما يشير البعض لا يعرف المستور، فهو يريد كل شيء مكشوفاً دون غطاء حتى من ورقة التوت! عندما انتهت الحرب الباردة، أصبح لا مكان لأولئك الذين كانوا يديرون الحلبة ويحركون قطع الشطرنج المتناثرة كما يحلو لهم، فقد قال الزمن المتسارع للجميع كش ملك، فمات الوزير، وضاع الجنود، واخترقت القلعة، وصهل الحصان مرات ومرات دون فائدة. إنه زمن المعلومة، ألا تسمع.. أقول زمناً متشابكاً ومتواصلاً ومكشوفاً، لا وقت فيه للصناعة المتأنية ولا للسبق أو تسجيل الحقوق الفكرية، الكل صار مستنسخاً، الوجوه، السيارات، قصات الشعر، الموسيقى، الألحان، الكلمات، الشعر، الفضائيات، المسلسلات، الكتب، الهوايات، والصحف، حتى تغطية الحروب أصبحت كذلك! هناك من يتساءل: أين السبق؟.. أين التفرد؟.. أين التميز؟.. يبدو أن هؤلاء آتون من زمن قديم، زمن الشاي المصنوع على نار هادئة، زمن الهدوء وراحة البال، زمن يصحو وينام على صوت رخيم ينادي بمساحة الأرض الزاخرة بالكنوز «القلب يعشق كل جميل». وحتى لا أدخل دون استئذان من الأبواب المفتوحة على مصاريعها، أقف فأقرأ على روح ذاك الزمان الفاتحة، وأبدأ من جديد لعبة الزمن الحاضر، فأتمعّن في المشهد كما تمعّن غيري من البشر، فالروس استجدوا المارة في الشوارع والمدن بحثاً عن تبرعات تعيد المجد القديم لمحطة الفضاء الروسية «مير» التي طاردتها السنون وأصبح لزاماً عليها أن تصبح أكثر حيوية وشباباً.. ويبدو أن الروس الذين عانوا كثيراً من تمزق الاتحاد السوفييتي وتفككه تركوا مكانهم وانجازهم الفضائي لآخرين، وفرّطوا أمام ضائقتهم المالية الخانقة في تاريخ يوري غاغارين، أول رجل يغزو مجال الفضاء، فقد أقلع غاغارين يوم 12 ابريل من العام 1961 من قاعدة بيكونور عند الساعة التاسعة وسبع دقائق صباحاً على متن صاروخ فوستوك وهبط في سميلوفكا، وما بين فترة الاقلاع والهبوط استطاع الرجل الدوران حول الكوكب في مدار بيضاوي يتراوح ارتفاعه ما بين 175 إلى 327 كيلومتراً، وبذلك سجل اسمه كأول من غزا الفضاء. أما اليوم وبعد أحداث العراق، تذكر هؤلاء الذين فرطوا في قوتهم واسمهم وتفردهم أنهم مكشوفون أمام تفرد القوة الأكبر في العالم، تلك القوة ذات العضلات المفتولة التي تقف أمام الجميع صارخة بأعلى صوتها: هل من منازل؟ اليوم يحاول هؤلاء أن يلملموا أنفسهم، ويوحدوا قوتهم بإعلان تشكيل منظومة دفاعية مشتركة تتكون من روسيا وست دول سوفييتية سابقة، وذلك قبل يوم من اعلان منظومة دفاعية مماثلة تضم فرنسا وألمانيا وبلجيكا ولوكسمبورغ.. وكأن هؤلاء أدركوا بأنهم سيؤكلون عندما أكلت القوة العظمى قبلهم الثور الأحمر! وإذا ما تركنا الفرنسيين يلملمون أقوال شارل ديغول، والروس وهم يتجرعون الأسى والحسرة على زمن التفرد والسبق، وينظرون حولهم فلا يجدون إلا بقايا صور وذكريات، وملايين الأطنان من المعدات الحربية التي تحولت إلى خردة للبيع، إذا ما تركناهم وأبحرنا في سياق البحث عن أسرار جديدة لزمن مكشوف وقفنا اجبارياً في بريطانيا، فقد اكتشف البريطانيون متأخرين جداً أن للشعراء دوراً حيوياً في انعاش النفوس المتعبة، وانتشالها من همومها، حيث عيّنت محطات السكة الحديد شعراء جوالين وظيفتهم القاء الشعر للركاب، بالاضافة إلى نظم قصائد خاصة لهذا الغرض.. وقد أثار هذا القرار حفيظة الشعراء والأدباء الذين رأوا أن مثل هذا الأمر يقلل من أهمية هذا الفن الذي عرفه الناس احساساً وجدانياً لا وظيفة وادعاء! المثير أن تلك الدول المتقدمة وجدت في الشعر وتراً تعزف عليه، فقبل بريطانيا حاول الروس تسخير تأثير الشعراء في حملة التبرع التي قادها أعضاء من البرلمان الروسي بمعاونة كتّاب وأدباء ورواد فضاء لمحطة مير، وقبلهم جميعاً طبّقت احدى المقاطعات الألمانية فكرة مماثلة كان الشعر والشعراء هما المادة الأساسية فيها، حيث قام الشعراء بزيارات للسجناء، والقاء قصائد مختلفة في تظاهرة ثقافية تحت اسم «لا سجن مع الشعر». ولا ندري ما الذي يحدث هنا، فبينما تتعاظم لغة الشعر وقامة الشعراء في أوروبا نجد اضمحلالاً واضحاً يصل حد التلاشي في وطننا العربي الذي ما زال مبهوراً بكثرة الأبواب والنوافذ المفتوحة. ـ هل قلت إن الأبواب مفتوحة على مصاريعها؟ ـ يبدو كذلك، فنحن مازلنا نجرّ أرجلنا نحو خريطة الطريق ولا ندري إلى أين تأخذنا؟!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات