السبت 2 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 3 مايو 2003 من بين القضايا التي لم تحظ بنصيب وافر من الاهتمام رغم دلالاتها العميقة «الكوتشينة» الأميركية أو قائمة المسئولين العراقيين المطلوب القبض عليهم ، والتي تقدر بنحو 55 مسئولا وتم توسيع نطاقها بشكل غير رسمي لتشمل نحو مئتي مسئول عراقي. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا يدور حول الأساس الذي تقوم عليه فكرة القائمة وتقديم المسئولين العراقيين للمحاكمة ؟ الأمر لا يعدو من وجهة نظرنا أن يكون محاكمة سياسية ليس أكثر تفتقد أي شرعية كتلك التي تفتقدها الحرب ذاتها على العراق وهي محاكمة لا تستند الى أي أساس قانوني وتمثل في النهاية رسالة أميركية الى جانب رسائلها العديدة التي تمثلت في غزو العراق وما صاحبه من تداعيات تؤكد على حقيقة الهيمنة الأميركية على العالم وأن كل من يعارضها سواء من أفراد أو دول سوف يلقى المصير نفسه الذي لاقاه العراق أو مسؤولوه الذين تتم ملاحقتهم ويتساقطون يوما بعد يوم ، وهو أمر تم بتفكيك العراق كدولة والقضاء على كافة أجهزتها وسلطاتها واشاعة حالة من الفوضى كرست الإحساس بغياب التنظيم السياسي وهو أمر تم تعزيزه بما يمكن اعتباره اذلالا لمسئولين كانوا يوما ما على قمة السلطة في دولة حرة ذات سيادة وعضو بمنظمة الأمم المتحدة ، لا يعني ذلك بالطبع أن المسئولين فوق المساءلة وإنما وجوب أن يكون ذلك وفق أساس مقبول ومن الجهة المخولة بذلك. ويجد هذا التفسير منطقه في تصريحات المسئولين الأميركيين قبل الحرب والتي كانت تدعو صدام وأعوانه الى التنحي مقابل توفير ملاذ آمن لهم. فاذا كان القادة العراقيون مطلوبين لجرائم ارتكبوها فإن فكرة تأمينهم تعد مخالفة للقانون ويبدو الامر هنا مرتهنا بارادة واشنطن فقط لا غير. فضلا عن ذلك فإنه مما يثير التساؤل حول القائمة الأميركية خلوها من أثنين من واجهة نظام صدام هما وزيرا الإعلام والخارجية العراقيين الصحاف وناجي صبري.. فعلى أي أساس تم استثناؤهما من القائمة؟ وهل هما أقل ضلوعا في جرائم النظام العراقي - حال القبول بالمنطق الأميركي - من وزير التجارة العراقي مهدي صالح أو مستشار الرئيس العراقي عامر السعدي ؟! إن التطورات الجارية حتى الآن في هذا الشأن تشير الى أن ادارة بوش تدير هذه القضية حسبما تشاء باعتبار أنها تفصيلة من تفصيلات الأزمة العراقية تأتي في مرحلة متأخرة من اهتمام المجتمع الدولي رغم أهميتها المبدئية والدلالية. وهنا فإن الأمر الذي يجب التأكيد عليه هو أن مصير المسئولين العراقيين يجب أن يظل شأنا عراقيا بحتا وأن يتم تركه لتقرره أي حكومة عراقية مستقبلا بعيدا عن أية تأثيرات من أية جهة أخرى ورغم الاقرار بصعوبة تولي حكومة غير موالية لواشنطن إلا أن الجهود يجب أن تتجه نحو هذا الأمر باعتباره أحد مخلفات غزو العراق وفي نفس الوقت حتى لا يشكل سابقة يمكن تعميمها فيما بعد. وقد يكون حكم الشعب العراقي في هذه الحالة أشد قسوة من أي حكم آخر بل ان مثل هذه المحاكمة في هذه الحالة قد تكون نذيرا للأنظمة المماثلة للعراق وهي كثيرة رغم الرفض المبدئي لأية نتائج يمكن أن تترتب على الغزو، غير أن فكرة المحاكمة العادلة على يد نظام عراقي منتخب ديمقراطيا يوفر مثل هذا النوع من المحاكمة سوف يساعد كما يذهب البعض على اشاعة لغة القانون وتهدئة المظلومين وتسكين جراح الموجوعين وسحب الذرائع من بين أيادي من ينادي بالثأر العشوائي وانفلات القانون في مجتمع كان وما زال يرتكز على قوانين مؤسسات مستلبة الارادة ومعدومة الضوابط ، فالفكرة الأساسية المتمثلة في محاكمة قادة النظام العراقي السابق ليست مرفوضة لذاتها ولكن الرفض يأتي من أن يتم ذلك على أيدي الاميركيين والذين لا يمكن اعتبارهم في النهاية سوى قوة احتلال فضلا عن أن الإقرار بحق الولايات المتحدة في محاكمة القادة العراقيين يضفي مشروعية على الغزو ، ويعني هذا في التحليل النهائي أنها ليست القوة الشرعية المخولة القيام بهذا العمل حيث أنه ليس هناك أي أساس دولي يخولها هذا الحق. ومما يشير الى هذا أن الاعتقال يتم حتى الآن دون تقديم مبررات قانونية في ذات الوقت الذي يستبعد فيه عدد من المصادر أن يرسل الأميركيون المعتقلون الى المحكمة الجنائية الدولية أو يسعون لتشكيل محكمة دولية جديدة لمحاكمتهم. والى جانب الدلالات المتمثلة في تأكيد إحكام قبضتها على العراق وتداعي النظام العراقي من خلال القبض على كافة أركانه فإنه من الواضح أن الولايات المتحدة تسعى من خلال تكثيف جهودها للقبض على رموز وأعوان النظام السابق الى الوصول الى معلومات تساعدها على كشف خبايا برامج أسلحة الدمار الشامل التي تتهم بها العراق وكانت السبب وراء الحرب التي شنتها الولايات المتحدة على العراق. وينظر في هذا الاطار الى القبض على طارق عزيز باعتباره خطوة كبيرة على هذا الطريق نظرا لدوره في السياسة العراقية ، وهنا فإننا ندع جانبا الروايات التي تروج لخيانة عزيز لصدام فالأساس الذي كان يقوم عليه نظام الحكم في بغداد يسمح لنا بتوقع أية مفاجآت وليس أدل على ذلك من أن عزيز نفسه الذي راح يعلن بحزم أنه يفضل الموت على أن يعيش محتجزا لدى الاميركيين في معرض نفيه الانشقاق على صدام في بداية الحرب هو ذاته الذي راح يستسلم للقوات الأميركية، فالكلمات شيء والأفعال شيء أخر. لانريد أن نخوض في التفاصيل لكن نود في الوقت نفسه أن نؤكد على أن السلاسة التي تسير بها عملية اعتقال القادة العراقيين إنما تكرس وضعا غير مقبول يتمثل في فرض حالة من التعايش مع الفوقية الأميركية على كافة الأعراف والقوانين الدولية، فرغم تزايد عدد المقبوض عليهم من قيادات النظام العراقي السابق حيث وصل عددهم الى 13 مسئولا فإن الملاحظ أن القياديين العراقيين الذين يتم القاء القبض عليهم يطويهم النسيان فمن غير المعروف تحديدا ظروف اعتقالهم وماذا يجري معهم ؟ وكيف تتم معاملتهم ؟ وهو أمر مخالف لأبسط الحقوق القانونية لمتهمين عاديين فما بالك بكون هؤلاء قيادات مسئولة ؟ رغم ان وضعيتهم هذه تفرض ضرورة الكشف عن ظروف اعتقالهم ونوايا الولايات المتحدة بشأنهم. المفارقة الكبرى أن النظرة المنصفة والمحايدة لتطورات القضية العراقية تشير الى أن المطلوب محاكمتهم بحق هم ممثلو ادارة بوش وهنا فإن الأمر لن يتطلب كثير جهد لاثبات أنهم بحق مجرمو حرب وفق التكييف القانوني الدولي لمفهوم مجرم الحرب. ولكن أنى لنا هذا؟!