ديمقراطية الرصاص والقنابل، بقلم: طلعت اسماعيل

السبت 2 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 3 مايو 2003 عرفنا ديمقراطية الانياب والاظافر التي تحدث عنها الرئيس المصري الراحل انور السادات، واليوم نتعلم ديمقراطية الرصاص والقنابل، على يد صقور البنتاغون الذين قتلوا خمسة عشر عراقيا دفعة واحدة وأصابوا اكثر من خمسين بينما كان الجنرال جاي غارنر ناصبا خيمة لولادة الديمقراطية في العراق. ديمقراطية المحتل تظهر في الشوارع العراقية شيئاً فشيئاً شاء دعاة «الشفقة» في البنتاغون أم أبوا، فمتى كانت احذية الجند الثقيلة التي تدوس في طريقها الاخضر واليابس طريقا لتحرير الاوطان؟! عندما قتل نحو 40 عراقيا وجرح العشرات في انفجار صاروخي بمخزن عتاد اميركي في الزعفرانية بضواحي بغداد ألقى الاميركيون باللوم على مجهولين لكن الرصاصات التي انطلقت الى صدور العراقيين في الفالوجة لايمكن انكار مصدرها. وقع العراقيون في شرك شعارات الديمقراطية المزيف والحديث الاميركي الممجوج عن الحرية فخرجوا في تظاهرة تطالب بتحرير مدرسة فكان القتل في انتظارهم. قانون الاحتلال واحد منذ اختراع الكلمة وحتى اليوم، لا حق لرعايا الدول المحتلة المطالبة بأي حق من محتليهم، ولن يفلح التخفي وراء الشعارات الديمقراطية التي لا تسمن ولا تغني من جوع على أرض الواقع. واذا كان صدام حسين قد اقام زنازين تحت الارض لاعتقال معارضيه لا ندري ماذا سيفعل الاميركيون مع اتساع رقعة معارضيهم في العراق يوما بعد يوم وهي معارضة معمدة بالدم الصريح الذي جعل بعض المتظاهرين في الفالوجة يطالبون بالثأر ودفع بالجنود الاميركيين الى اتخاذ وضع الاستعداد للهجوم على مشيعي نعوش القتلى ممن خرجوا كشهود عيان على الجريمة التي لن يفلح التنصل منها وقد كانت على مرآى ومشهد من العالم كله. تواطأ الاميركيون في عمليات السلب والنهب التي طالت المتاحف العراقية ودمرت ثروة عالمية من الحضارة الانسانية تحت دعوى التنفيس عن سنوات الكبت التي عاشها العراقيون في ظل نظام صدام حسين، لكن الهدف كان اكبر من ذلك بكثير وفي المقدمة إلهاء العراقيين وصرف نظرهم عن حقيقة احتلال بلدهم وبما يعطي الفرصة والوقت الاطول للاميركيين حتى يثبتوا اقدامهم في بلاد الرافدين. الحيل سرعان ما ظهرت ابعادها وانتبه العراقيون الى خدعة التنفيس عن الماضي المكبوت وراح الناس يجمعون فيما بينهم ما نهب ووضعه في دور العبادة، والتفت الجميع مرة اخرى الى الحقائق الساطعة مثل الشمس وهي ان جنود اليانكي في عقر الدار البغدادية وان وجه الاحتلال لا يمكن تنظيفه ولو استخدمت في غسله كل مياه دجلة والفرات. هنا عمت التظاهرات الغاضبة في اكثر من مدينة وقرية عراقية اما الهدف هذه المرة فلم يكن تعرية القدر عن سنوات القهر، ولكن الاحتجاج الواضح والصريح على الوجود الاميركي بعد ان فشلت ثياب الديمقراطية المزيفة في ستر العورات. ديمقرطية الدجاج ـ التعبير لشيخ المعارضين المصريين فتحي رضوان رحمه الله ـ التي تقوم على النبش دون هدف اساسي يعطي الانسان الحق في الاختيار ويؤكد حرية الاوطان لايمكن ان تكون البديل الذي انتظره العراقيون لسنوات طويلة، وزعم الاميركيون انهم جاءوا ليحققوه تحت فوهات المدافع وبقوة نيران القنابل الغبية. اختلطت الاوراق لبعض الوقت عندما ظهرت بعض الحشود المحدودة المهللة للاميركيين في العاصمة بغداد، فتوارى تعبير المستنقع العراقي على غرار المستنقع الفيتنامي الذي وقع فيه الاميركيون ولايزال غصة في حلوقهم، لكن ذات التعبير ومع التورط اكثر فاكثر بقتل المدنيين بعد سقوط النظام العراقي السابق سيعود على ما يبدو الى الواجهة في الايام المقبلة. حفلات الشواء التي اقامها غارنر داخل احد قصور صدام والتي توحي بالاسترخاء فوق التراب العراقي دون عناء نعتقد انها واذا ما استمر الاميركيون اكثر في ارتكاب الحماقات باستهداف المدنيين بالقتل لن تعطي الجنرال العجوز فرصة البقاء في السعادة والهناء التي تظهر على محياه في الوقت الحاضر وهو يسعى الى جمع الفسيفساء العراقية تحت الراية الاميركية. الفراغ الذي خلفه سقوط نظام البعث وسط العراقيين ان عاجلاً او آجلاً سوف يملأه العراقيون بأنفسهم وستظهر القيادات الطبيعية التي تعبر عن أحلام الناس بعيداً عن الأهداف الاميركية مهما كانت الاغراءات، وساعتها سيدفع الاميركيون ثمن الاستخفاف بشعب ولدت الحضارة على ارضه وساهم بثقل في صنع التاريخ الانساني عبر آلاف السنين، فدوام الحال من المحال. هذا لا يمنع ان يكون للزلزال الذي احدثه انهيار النظام السابق والاحتلال الاميركي تداعياته الخطيرة على سرعة لمّ شعث الحركة الوطنية العراقية في المدى المنظور، وهو بالتالي سيعطي الاميركيين فرصة أوسع لتثبيت اركان وجودهم واستغلال الظرف لصالحهم. لقد احتل البريطانيون مصر اكثر من سبعين عاماً وجثم الفرنسيون على صدر الجزائر نحو 130 عاماً لكن في النهاية غربت الشمس عن الامبراطورية التي توهمت ان شمسها لا تغيب، كما خرج الفرنسيون الى حال سبيلهم.. نحن طبعاً لا نتمنى ان يدوم الاحتلال الاميركي للعراق كل هذه السنوات لكنها تذكرة، وتأكيد على ان العراق سيخرج من محنته، استنادا الى ناموس الامم والشعوب التي هضمت على ارضها الطغاة والمحتلين واستطاعت بأصالة روحها دحر الدخلاء وان اختلفت صورهم. ما حدث في الفالوجة وقبله في الزعفرانية عندما رجم ابناؤها المحتل بالحجارة سيتكرر في مناطق اخرى من العراق وسيكون نواة لنسج خيوط شمس الحرية الحقيقية التي تنتزع ولا تمنح، فالحرية تصنع بأيدي المتحررين وليست هبة يتعلل المحتلون بها في سلب الاوطان استقلالها والشعوب حقوقها في الحياة الكريمة فوق ترابها الوطني. هبات العراقيين سوف تتوالد بمتوالية هندسية طالما ظل الاميركيون على اعتقادهم الخاطيء بأن الديمقراطية المزيفة يمكن ان يبتلعها العراقيون، وان يكتب للمحتل طيب البقاء في حدائق بابل وجنان البصرة.. عقدة الخوف من نظام كان يقبض بالحديد والنار تحطمت مع انزال تمثال صدام من عليائه في ساحة الفردوس وسط بغداد وعقدة الخوف من حراب المحتل تتأكل يوما بعد يوم في صفوف العراقيين. ما حدث في الزعفرانية والفالوجة بدايات وليست مجرد ارهاصات لما ينتظر الاميركيين، فقد دخلوا المستنقع العراقي، فهل سيتحملون دفع ثمن بقائهم لنزح مخزون آبار النفط العراقية، وتوزيع ثروات العراق على الشركات الاميركية، كما توزع غنائم الحرب؟! أشك، وما جرى في فيتنام ولبنان والصومال رغم اعترافنا بفارق الظروف والاحوال يقول ان الاميركيين لن يكون في قدرتهم تحمل ثمن التهام العراق.. ولعل في التغيرات التي تحدث على الساحة الدولية في اوروبا وآسيا وسعي فرنسا وروسيا وقوى اخرى الى امتلاك منظومات جديدة للقوة ما يجعل الاميركيين يدفعون الثمن مضاعفاً داخل العراق وخارجه.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات