الجمعة 1 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 2 مايو 2003 البداية ترمز للنهاية. فالاجراء البروتوكولي الذي اتبع في تسليم وثيقة «خريطة الطريق» الى محمود ابومازن رئيس الحكومة الفلسطينية الوليدة وارييل شارون رئيس حكومة اسرائيل يستوقف المراقب في رمزيته ذات الدلالة، وبالتالي يشير الى الطريق الذي يراد لخريطة الطريق أن تسلكه. على الجانب الفلسطيني قام بتسليم الوثيقة الى رئيس الوزراء الفلسطيني مسئول دولي بحضور كافة الممثلين عن الهيئة الدولية التي من المفترض ان تكون الجهة المتبنية للمشروع والتي يطلق عليها «اللجنة الرباعية». أما على الجانب الاسرائيلي فقد انفرد سفير الولايات المتحدة وحده دون مشاركة اي طرف دولي في تقديم الوثيقة الى رئيس الوزراء الاسرائيلي. والرمز لا يخفى فبينما المطلوب اميركيا من الجانب الفلسطيني التزام دولي بما ينبغي عليه الوفاء به في بنود المشروع فان الجانب الاسرائيلي ـ بدعم اميركي ـ يعتبر متحررا من اي التزام دولي بما ينبغي الوفاء به من شروط الوثيقة. في صالون رئيس الوزراء الفلسطيني كان هناك فريق دولي رسمي على رأسه تيدي رود لارسن مبعوث الأمم المتحدة الخاص الى الشرق الأوسط ويضم ممثلين آخرين عن الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي.. واربعتهم يمثلون جماعيا «اللجنة الرباعية». أما في الصالون الاسرائيلي فلم يكن هناك مع شارون سوى دانيال كيرتز سفير الولايات المتحدة الى اسرائيل. ولم تتوقف الرمزية عند هذا الحد. فالاجتماع الرسمي للسفير الأميركي مع رئيس الوزراء الاسرائيلي لم يكن في العاصمة الرسمية تل ابيب وانما عقد في القدس.. وكأن القدس ليست في قلب الصراع العربي الاسرائيلي. هذه الرموز بالغة الدلالة لأنها تؤكد ما سبق ان كشف عنه وزير الخارجية الاسرائيلية انه في لحظة مستقبلية ما خلال التعاطي بشأن خريطة الطريق ينبغي ان تنسحب ثلاثة أطراف دولية لتبقى الولايات المتحدة الطرف الأوحد الذي يقوم بدور «الوساطة» التفاوضية بين الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي، وسواء حدث هذا او لم يحدث فان الثابت الآن هو ان خريطة الطريق تنص فيما تنص على احتفاظ واشنطن بحق فيتو يمكن استخدامه في اي مرحلة مقبلة ـ بالطبع لصالح الجانب الاسرائيلي. هذه هي البداية الرمزية التي تنبيء عما سوف يكون عليه المسلك الأميركي الاسرائيلي. غير أن البداية الفلسطينية الرسمية ذاتها ليست بأقل سوءا.. فهي بدورها تنبيء وكأن الشريكين الاميركي والاسرائيلي قد لا يجدان صعوبة كأداء في تمرير الشروط الاسرائيلية التي من المقرر ان تنتهي الى تكريس الاحتلال الاسرائيلي تحت اسم «دولة» فلسطينية. الاستهلال الفلسطيني تمثل في خطاب التنصيب الرسمي الذي القاه رئيس الوزراء الجديد أبومازن على المجلس التشريعي الفلسطيني باطلاق اسم «الارهاب» على المقاومة الوطنية الفلسطينية في خطاب علني رسمي كان رئيس الوزراء يتحدث اللغة الاسرائيلية الاميركية. ورغم أن أبومازن أدان ايضا العنف الاسرائيلي ضد الفلسطينيين إلا أنه لم يشأ ان يدمغه بنعت الارهاب. وكانت تلك مقدمة تمهيدية لكي يعلن ابومازن برنامج حكومته للمرحلة المقبلة.. وهو برنامج يمكن تلخيصه في كلمة واحدة: اعلان الحرب على الشعب الفلسطيني باسم «مصادرة الاسلحة غير المشروعة في الاراضي الفلسطينية». هنا تلزمنا وقفة قصيرة: إن تاريخ ثورات التحرر المسلحة ضد قوة احتلالية أجنبية يفيدنا بأن هناك ظروفا معينة قد تقتضي من القيادة الثورية التوقف عن استخدام السلاح من قبيل اعتبارات المرونة السياسية. لكنه في كل الحالات يكون توقفا مؤقتا. فالثورة التحررية لا تلقي السلاح نهائيا إلا إذا تحقق الهدف الاستراتيجي النهائي الذي من اجله اشعلت الثورة.. وهو وضع خاتمة حاسمة للاحتلال. ويفيدنا تاريخ الثورات ايضا بأن الاستمرار في العمل المسلح لا يتعارض مع الاخذ بالأسلوب التفاوضي في الوقت نفسه، بل ان ذلك محبذ، فالعمل الميداني يخدم الموقف التفاوضي. لكن السيد ابومازن يريد للمقاومة الوطنية الفلسطينية ان تستسلم استسلاما كاملا وتلقي بسلاحها نهائيا في مقابل مشروع ينطوي كل بند فيه على علامة استفهام.