الجمعة 1 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 2 مايو 2003 منذ أن اعتبرت الولايات المتحدة أن كل من طرح سؤال لماذا 11 سبتمبر هو متواطئ أو يبرر الإرهاب، وهي مستمرة في التعامل مع ملف «العنف» باعتباره فقط ظاهرة جنائية، و11 سبتمبر باعتبارها فقط حدثا إرهابيا، وقد ظلت الإدارة الاميركية منذ ذلك الوقت أسيرة تحيزاتها الأيديولوجية واختزلت سياستها الخارجية في كيفية الانتقام من منفذي هذه الحوادث والتعامل معهم باعتبارهم فقط مجرمين يستحقون العقاب ولو خارج إطار القانون فشنت حربها على أفغانستان وأنهت حكم طالبان الأصولي و«صنعت» بدلا منه حكما ضعيفا مازال عاجزا عن بسط نفوذه على كل الأراضي الأفغانية، كما نجحت في ضرب القدرات العسكرية لتنظيم القاعدة واعتقال أعداد كبيرة من أعضائه بل ومن المشتبهين في أن يكونوا أعضائه. ومنذ ذلك التاريخ والولايات المتحدة قررت أن تختزل العالم إلى أشرار وضعت فيهم المعارضين والأعداء على السواء، وطيبين يتراوحون بين الحلفاء والعملاء، وقد وضعت تنظيم القاعدة وحركات الإسلام السياسي على رأس قائمة الأشرار أضافت أيضا صدام حسين ونظامه على قمة هذه القائمة لتبرر احتلالها للعراق. وفي ظل هذا التصور الأحادي الجانب جاء الاحتلال الأميركي للعراق ليبرز مرة أخرى وجه العنف والدمار الذي أحدثته الإدارة الاميركية في العراق، خاصة مع حرصها أن تزرع نظاما جديدا يكون مواليا لها وفي نفس الوقت أقل سوءا من نظام صدام حسين. القوة.. والعنف ولعل معضلة «زراعة» النظم الموالية للولايات المتحدة في أفغانستان ثم العراق وربما في دول عربية أخرى تكمن في أنها لم تعبر في أي مرحلة عن خيارات الشعوب الديمقراطية،بل على العكس فقد بدت في أعين المواطن العربي وكأنها عائق أمام تطور مجتمعاته نحو الديمقراطية خاصة وان الولايات المتحدة قد تجاهلت في أعقاب 11 سبتمبر كل صور المعارضة في العالم. فعربيا وضعت كل الرافضين لسياساتها في الشرق الأوسط في خانة واحدة فالجهاد وحماس والجبهة الشعبية في فلسطين هي تنظيمات إرهابية لأنها تستخدم المقاومة المسلحة ضد الاحتلال، ووضعتهم في نفس خانة تنظيم القاعدة الإرهابي، كذلك وضعت تيارات الإسلام السياسي السلمي كالإخوان المسلمين مثلا مع جماعات العنف في سلة واحدة واعتبرتهم جميعا عناصر محرضة ـ أو مشاركة ـ على الإرهاب. أما على الصعيد العالمي فقد جاءت الحرب على العراق لتؤكد إلى أي درجة أطاحت الولايات المتحدة بالشرعية الدولية بخوضها حربا خارج الأمم المتحدة وخارج القانون، ثم تجاهلها بعد ذلك لهذه المعارضة الشعبية الهائلة التي وقفت ضد الحرب وبدت رغبتها في الانفراد بمقدرات العالم واضحة أمام حلفائها الأوربيين ومعارضيها في الصين وروسيا. وقد بدا المشهد العربي أكثر تعقيدا من نظيره الأوربي، فمن المؤكد أن فرنسا وألمانيا خاضتا معركة شرسة من أجل عدم قيام الولايات المتحدة بحربها على العراق، ولكن ظلت هذه المعركة داخل قواعد النضال السلمي والديمقراطي، فهي دول توجد بينها مصالح تجارية واقتصادية وأيضا يجمعها وعاء ثقافي وحضاري متقارب، أي بمعني آخر أن الخلاف الأوربي الأميركي استدعى كل الأساليب الديمقراطية والسلمية في إدارة الصراعات الدولية بين بلدان لديها نخب سياسية عصرية وديمقراطية وتمتلك المهارات المطلوبة لإدارة مثل هذه الصراعات. أما على الساحة العربية، فمن المؤكد أن العالم العربي لم تظهر فيه بعد نظم ديمقراطية حقيقية ومازالت هناك كثير من القوي السياسية ومن تنظيمات المجتمع المدني بل وبعض القطاعات من نخبته الحاكمة تحاول أن تدعم عمليه التطور الديمقراطي في البلاد، بل أن بعض هذه النخب تفاءل بقدرة الدول الديمقراطية على تقديم دعم حقيقي لمحاولات التطور الديمقراطي في بعض الأقطار العربية. وقد جاءت الحرب على العراق ومعارضة الرأي العام الأوربي لها، لتبرز أمام قطاع واسع من الرأي العام العربي هذا «التضامن الإنساني» بين مختلف شعوب الأرض، بصرف النظر عن اللون والعرق والدين، مع «قضية عربية» ليعضد هذا الموقف من قيم التعايش المشترك بين الشعوب ويعطي أملا لدى الكثيرين في العالم العربي بأن طريق المعارضة السلمية لسياسات الولايات المتحدة في العالم وفي المنطقة العربية يمكن أن يسفر عن نتيجة. وفي الحقيقة فقد أطاحت الولايات المتحدة بكل صور المعارضة السلمية هذه لتصبح أمام الرأي العام العربي الشاعر بالغبن والهزيمة والعجز، والذي لم يمتلك في مجمله الوسائل الديمقراطية الحديثة للتعبير عن غضبة أو رفضه للتوجهات الأميركية، غير قادر على مواجهتها إلا بالعنف أو على الأقل يقبله باعتباره أسلوب الاحتجاج الوحيد الممكن في مواجهة «تعطل» كل الوسائل السلمية أمام بطش الآلة العسكرية الاميركية، وقد جاء العدوان الأمريكي ليطيح بالآمال التي وضعها العالم العربي على الرأي العام العالمي في الضغط على الولايات المتحدة من أجل عدولها عن الحرب، خاصة في ظل الصورة العاجزة التي بدا عليها الخطاب الرسمي العربي، فبدا أن مساحة الفعل الوحيدة هي ليس فقط تيارات العنف الإسلامي، إنما أيضا أو أساسا «المقاومة بالعنف» لأن أبواب السلم أغلقتها بالكامل الإدارة الاميركية. الاجندة الاخطر ولعل من المؤكد أن قيام الولايات المتحدة باحتلال العراق على ضوء المشهد الثقافي والسياسي الحالي قد مثل استدعاء جديدا لمخزون المقاومة بالعنف الأصولي كوسيلة بدت وحيدة لمواجهة الرؤى الأحادية التي تهيمين على الإدارة الاميركية فلنا أن نتصور أنه في بلد ذات تراث مدني ونظام بعثي عرف بعدائه الشديد للإسلاميين تتحول القوة الوحيدة الابرز المعارضة للوجود الأميركي هي المعارضة الأصولية الإسلامية التي بدأت الآن في استخدام مفردات وأساليب احتجاج سلمية في مواجهة قوات الاحتلال الأميركي قد تضطر في المستقبل المنظور إلى استخدام أساليب دينية و «جهادية» لمواجهة المحتلين في تحول هائل في الموقف من الغرب «الإمبريالي» الذي طالما تحدث عنه خطاب البعث. وفي الحقيقة فأن الاحتلال الأميركي لبغداد يمثل نهاية ما تبقى من تلك التقاليد المدنية التي طرحتها العديد من النظم العربية بما فيها النظام البعثي في العراق ـ على ديكتاتوريته ـ الذي ظل صراعة أو تحالفة مع الغرب ومع جيرانة داخل حيز طموحاته الإقليمية أي ظل بمعني آخر داخل حيز السياسة والفعل السياسي ولم يتقاطع مع الخطاب الأصولي الجهادى إلا عقب الحروب الاميركية العسكرية والاقتصادية عليه وجاء انهيار النظام العراقي وهزيمته ليعلن عن انهيار كل الصيغ المدنية والسياسية ـ بصرف النظر عن صحتها أو الاتفاق والاختلاف معها ـ التي قدمها الخطاب القومي العراقي كأساليب للحكم وليفتح الباب أمام تصاعد المواقف «النقية» المعادية للغرب والولايات المتحدة لأسباب عقائدية دون ان تمتلك أي أساليب مدنية لإدارة هذا الصراع. وهكذا تصبح خطورة الحالة العراقية على المنطقة العربية في إنها تعطي مؤشرا على أن البدائل المتاحة أمام العرب هي بين أما أنظمة «تنفيذ الإملاءات الاميركية» أو المعارضة الأصولية في ثوبها العنيف أو غير السياسي. فالأصولية الاميركية الجديدة التي قسمت العالم بعد 11 سبتمبر كما يفعل الإسلاميون الجهاديون إلي أهل الخير وأهل الشر، رفضت كل المخارج السياسية التي كان من شأنها إحداث مزيد من الضغط السياسي على النظام العراقي حتي يضطر في يوم من الأيام أن يحدث تغيرات من داخلة ويستبعد رؤوس النظام دون أن تؤدي إلي انهيار قيمة المدنية ومؤسساته الحديثة التي شيدها على مدار عقود من الزمن. لقد أهدر الأميركيون فرصة تاريخية هائلة بهذا الإجماع الدولي النادر على ضرورة نزع أسلحة الدمار من العراق بصورة سلمية واستمرار الضغط على النظام في بغداد من داخل حيز الفعل السياسي، وعبر الحفاظ على مبادئ الشرعية الدولية، ولكن بإصرار إدارة بوش المتطرفة على احتلال العراق قد دمرت مع ما دمرته في البلاد مساحات هائلة من قيم إدارة الصراع السياسي في العالم لتفتح الباب على مصراعيه أمام مواجهة العنف بالعنف والاحتلال بالاستشهاد لتدخل المنطقة والعالم في دوامة عنف أصولي لن ينتهي قريبا. وهكذا تصبح خطورة الأجندة الاميركية في العراق والمنطقة إنها تستثمر سلبيات الاداء الداخلي العربي وهي كثيرة، ولكن دون أن تقدم بديلا ديمقراطيا لشعوبها، فالنموذج الذي سيرغبه على الأرجح المواطن العربي لن يكون بين أنظمة تنفيذ الإملاءات الاميركية، ولا بين تنظيمات العنف الإرهابي التي ترغب في قتل الأميركيين في كل مكان وزمان، وسواء كانوا في بلادهم أو محتلين لبلادنا. إنما على الأرجح ستختار حكاما ديمقراطيين يعارضون الولايات المتحدة سلميا نتيجة تحيزها لإسرائيل ويرفضون سلوكياتها المتسلطة وغير الديمقراطية في منطقتنا العربية وفي كثير من بقاع العالم. ـ كاتب مصري