حكومة أبومازن ـ بقلم: د. شفيق ناظم الغبرا

الجمعة 1 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 2 مايو 2003 تعكس حكومة ابومازن تطورا جديدا في الاوضاع الفلسطينية. فهذه الحكومة تأتي بقيادة شخصية فلسطينية عرفت باعتدالها وهدوء رؤيتها واستعدادها لمحاورة الآخرين. وهي تتشكل في ظل وقت حساس بالنسبة للقضية الفلسطينية، وذلك بعد انسداد معظم القنوات السياسية والدبلوماسية الفلسطينية، كما انها ولدت بعد اكثر من سنتين من الانتفاضة وبعد قيام اسرائيل باعادة احتلال اجزاء كبيرة من الضفة الغربية. بمعنى آخر ان حكومة ابومازن تشكلت بعد ان تبين ان الطريق العسكري او طريق الانتفاضة لن يؤدي بشكل مباشر إلى انسحاب اسرائيل وقيام الدولة، وان بناء الدولة الفلسطينية يتطلب مفاوضات طويلة، وبناء للثقة اكثر طولا. من هنا فإن الدبلوماسية اساسية في هذه المرحلة، فهذه حكومة مفاوضات ودبلوماسية وتكملة لما تم البدء به في عملية اوسلو التفاوضية. وستواجه هذه الحكومة خليطاً من الايجابيات والسلبيات، لهذا فمهمتها ستكون صعبة للغاية وحساسة. فهي من جهة تواجه سلبيات عديدة على رأسها وجود شارون على رأس الحكومة الاسرائيلية. فشارون سعى في السابق وسيسعى للتملص من كافة الالتزامات ولقضم ما يستطيع قضمه من أراض، اضافة إلى سعيه لبناء جدار دائم يفصل الفلسطينيين عن الاسرائيليين. كما ستواجه حكومة ابومازن رأيا عاما اسرائيليا متصلبا، ورأيا عاما اميركيا وعالميا اقل تأثرا بتطورات القضية الفلسطينية. كما ستواجه عالما عربيا ضعيفا فاقداً للمبادرة بعد ان فقدها في التعامل مع الملف العراقي في الشهور الماضية. بمعنى آخر تواجه حكومة ابومازن وضعا غير مؤات من حيث هجومية الحكومة الاسرائيلية، اضافة إلى طبيعة تحالفها مع الولايات المتحدة كما تطور منذ الحادي عشر من سبتمبر 2001. وتواجه حكومة ابومازن مسئوليات بناء البنية التحتية الفلسطينية، ومحاولة دفع الحياة في الاوضاع الاقتصادية الفلسطينية، بما في ذلك مواجهة البطالة والفقر وسوء الاوضاع والحاجة للتنمية. وتواجه ايضا مصاعب ايقاف العمليات المسلحة خاصة ذات الطابع الذي يستهدف المدنيين، ومواجهة ردود الفعل الاسرائيلية التي تساهم في اضعاف الحكومة الفلسطينية. وعليها العيش في ظل مصاعب ضبط وتيرة الحياة السياسية الفلسطينية في البرلمان او في الشارع وفي صفوف المنظمات الاسلامية والوطنية. وعلى هذه الحكومة ان تقنع الرأي العام الفلسطيني بأنها قادرة على وضع قيود حقيقية على الاستيطان الاسرائيلي، وانها قادرة على ايقاف التدهور باحوال واوضاع الناس. هذه المتطلبات السياسية والاقتصادية والوطنية سوف تشكل اهم التحديات امام هذه الحكومة. ومن جهة اخرى تواجه هذه الحكومة وضعا مؤاتيا في عدة ابعاد. البعد الاول: المواجهات الفلسطينية الاسرائيلية لاكثر من عامين ارهقت الاسرائيليين كما انها ارهقت الفلسطينيين، كما ان العمليات الانتحارية لم تتوقف رغم الثمن الذي دفعه المجتمع الفلسطيني. في كل هذا هناك حالة اسرائيلية قد تعبت من هذه الحرب والمواجهة وهي على استعداد للعودة إلى طاولة المفاوضات. كما تواجه الحكومة الفلسطينية وضعا اميركيا اكثر اهتماما بالعالم العربي واكثر حرصا على ترتيب الوضع بالعراق، بكل ما لهذا الوضع من مستلزمات مرتبطة بالقضية الفلسطينية. وهذا يعني ضرورة العمل على توفير حل تفاوضي يهديء من المعارضة العربية للسياسة الاميركية ويساعد على بيئة اقل فرزا للعنف. وتعتبر الادارة الاميركية حكومة ابومازن انجازاً وذلك لانها انعكاس لتراجع نفوذ عرفات في المؤسسة الفلسطينية وبداية بروز حالة من العمل الجماعي والعديد من الادوار الجديدة. هذا مرتبط بتصورات الاصلاح السياسي التي تدعو اليها الادارة الاميركية، اضافة إلى قناعة مسئوليها بأن هذا الاصلاح يعود ويساهم في سلام اكثر ثباتا ومقدرة على الاستمرار. ان تحديات هذه الحكومة لا تقل عن التحديات التي واجهتها القضية الفلسطينية على مدى سنوات طويلة. فهي تحديات ايقاف تدهور الاوضاع، وايقاف العنف الدائم، وايقاف الهجمات الاسرائيلية، وفك الحصار عن عرفات وايقاف الاستيطان واستعادة المصداقية الدولية، وفتح الابواب مع الولايات المتحدة ودول العالم اضافة إلى الدول العربية. وسيكون لزاما على الحكومة الجديدة اخذ المبادرة بما فيها فتح الابواب مع قوى السلام الاسرائيلية اضافة إلى سحب المبررات من تحت اقدام حكومة شارون والدخول معها في مفاوضات برعاية اميركية ودولية. وقد يؤدي هذا الطريق إلى نتائج افضل وقد لا يؤدي إلى نتائج. لكن من الواضح انه يجب العودة لهذا الطريق والعمل لتأمين افضل الخيارات للشعب الفلسطيني، بما في ذلك تأكيد استقلاله وحقوقه وازدهاره على ارضه. ـ استاذ العلوم السياسية

طباعة Email
تعليقات

تعليقات