الجمعة 1 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 2 مايو 2003 قال الكاتب الشهير خورخي لويس بورخيس عن أبناء وطنه: «نحن الأرجنتينيين لا يوجد افضل منا على الأرض في التفوق الفردي، ولكن على المستوى الجمعي فنحن لا نوجد»، تأكد صدق هذه المقولة التي تدل على نفاذ بصيرة الكاتب العبقري رغم انطفاء النور في عينيه مبكرا، بعد الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية التي جرت الأحد الماضي والتي أسفرت عن نتائج غريبة. كارلوس منعم الرئيس السابق، المنتمي إلى حزب العدالة الذي أنشأه الجنرال بيرون قبل أكثر من نصف قرن، ومارس من خلاله حكما دكتاتوريا ديماغوجيا، مستخدما اسم الجماهير ليقمع الجماهير، وأكبر مسئول عن الحال الذي آلت إليه الأرجنتين اقتصاديا بعد فترة حكم دامت عشر سنوات، يتصدر المتنافسين ويصل إلى الجولة الثانية التي ستجري يوم 18 من مايو الجاري، ينافسه في هذه الانتخابات «نيستور كريشنر» المنتمي إلى حزب العدالة البيروني أيضا، وصلا معا إلى الجولة الثانية بعد خروج زميلهما البيروني الثالث «أدولفو رودريجيث سا» من الجولة الأولى، لتأتي الجولة الثانية بين بيروني وبيروني آخر، تماما كما لو كان «منعم» ضد «منعم». النتيجة لا يمكن أن تكون منطقية، بل على العكس تماما من المقدمات التي نتجت عن الأحداث التي عاشتها الأرجنتين خلال الأعوام الأربعة الماضية التي أعقبت انتهاء الولاية الرئاسية الثانية للرئيس البيروني كارلوس منعم، ووصول الراديكالي «فرناندو دي لا روا» ليكتشف الأرجنتينيون أنهم عاشوا أوهاما اقتصادية طوال الأعوام العشرة التي جلس فيها منعم على كرسي الرئاسة، وتبين أن نظرية «البيزو يساوي دولارا» مجرد وهم إعلامي لا وجود له في الواقع. ونظرا لضعف الرئيس الراديكالي المنتخب، وعدم قدرته على إعادة الأسباب إلى المتسبب فيها، وفشله في خلق واقع اقتصادي جديد، وتخبطه بين النظريات، وتقلب اختياراته لوزراء الاقتصاد، منهم «لوبث مورفي» أحد مرشحي الجولة الأولى للرئاسة الذي لم يصمد في منصبه لأكثر من أيام معدودة، كانت النتيجة أن انقلب الناس عليه وخرج من قصر الرئاسة «الوردي» هاربا في طائرة هليكوبتر، تاركا البلاد لتغرق في فوضى انتهت بإغلاق البنوك وإعلان إفلاس الأرجنتين رسميا. هذه الأحداث كانت بداية لأحداث أخرى اعتبرها المراقبون وقتها «مقدمات» لتغييرات سياسية نتيجتها الأولى العصف بالسياسيين القدامى، وانتهاء عصر الأحزاب التقليدية وبداية عصر جديد تدخل الأرجنتين من بوابته إلى عالم يتناسب وإمكانياتها البشرية، وثرواتها الطبيعية الهائلة التي أفسدها الساسة القدامى وحولوها من «مخزن لحوم وغلال» العالم إلى شعب يعيش عالة على غيره. تخبط سياسي بعد هروب «دي لا روا» نزلت الجماهير إلى الشوارع، واحتلت الساحات بقوة لم تفلح في مواجهتها جهود قوات مكافحة «الشغب» المدعومة بالعربات المصفحة، وتم حصار السياسيين في البرلمان حتى أصابهم الرعب، وخشي معظمهم على حياته، مما اضطرهم إلى ارتكاب حماقات زادت من حدة غضب الجماهير، ووصل التخبط السياسي مداه إلى درجة تولي خمسة رؤساء منصب رئاسة الدولة في أسبوع واحد، وانتهى الأمر بالجميع إلى قبول «رئيس» مؤقت يعد البلاد لانتخابات رئاسية جديدة. وقف العالم مشدوها أمام الحركة الشعبية المنظمة التي قامت في كل مدينة أرجنتينية، بل في كل حي وشارع تعلن رفضها للسياسيين التقليديين، وتطالب بالتغيير الجذري رافعة شعار: «فليذهبوا جميعا»، وبدأت مظاهرات الاحتجاج اليومية أمام البرلمان، مستخدمة «الكازارولات» (الأواني المنزلية) لإصدار ضجيج يصم الآذان، وعلى أبواب البنوك التي أغلقت خزائنها على أموال الناس التي تحولت مع مرور الوقت إلى عملات ورقية لا تساوي شيئا. بل تم تنظيم حركات عمالية قامت بالاستيلاء على المصانع والشركات التي تخلى عنها أصحابها وإدارتها وبدء الإنتاج فيها، وتسويق هذا الإنتاج بأسعار التكلفة للتخفيف عن حدة الأزمة التي حولت الطبقة المتوسطة إلى طبقة فقيرة تبحث عن قوت يومها بين فضلات القمامة، وفقد مقابل التقاعد قيمته فتحول العجائز الموسرين إلى شحاذين، وانضم إليهم موظفو الحكومة الذين لم يتلقوا رواتبهم لأشهر طويلة. كل هذا جعل المراقبين يقارنون تلك الحركة الجماهيرية في الأرجنتين بحركة ربيع 68 التي جرت في باريس في مايو عام 1968، بل توقع الكثيرون أن تبدأ حركة في الأرجنتين تشبه تلك الحركة التي قامت في البرازيل تحت مسمى «بلا أرض» ، وانتهت بإنشاء حزب «العمال» الذي وصل بأحد زعمائه وهو «لوولا دا سيلفا» إلى رئاسة البلاد العام الماضي. ثبتت هذه الفكرة في الأذهان أكثر عندما قام الفنان الأرجنتيني الساخر «نيتو أرتاثا» بتشكيل حزب سياسي جديد أطلق عليه اسم «حزب الناس» وأعلن نفسه بديلا عن الأحزاب السياسية التقليدية، وقرر أن يتحمل تفريخ الطبقة السياسية الجديدة في الأرجنتين بحثا عن مستقبل أفضل للبلاد بعيدا عن «تجار» السياسة ومحترفيها، أو يكون نموذجا يحتذى لأحزاب أخرى جديدة تحكم بالموت على الأحزاب السياسية التقليدية. لكن تحالفت قوى خارجية مع جهود الرئيس المؤقت «إدواردو دوالدي» في تحجيم هذه الحركة، إضافة إلى ما أشار إليه الكاتب العبقري خورخي لويس بورخيس عن «فردية» العمل المسيطرة على عقول أبناء وطنه في إجهاض كل هذه الجهود، وبالتالي جاءت النتائج مخالفة لكل المقدمات التي كانت ترهص بأشياء أخرى كان يبدو أنها تتشكل في «رحم» الأرجنتين. سباق المناصب ما أن بدأ الإعداد للانتخابات الرئاسية حتى ظهر السياسيون الذين اعتقد الكثيرون أنهم «ماتوا سياسيا» ولم يعد لهم وجود، فقد ضمت قائمة المرشحين عددا كبيرا منهم، في مقدمتهم المسئولون عن مأساة الأرجنتين الحالية، أولهم «كارلوس منعم» الذي حكم البلاد لعشر سنوات عاشت خلالها أحلام الانضمام إلى «العالم الأول» بفضل الدعم «الإعلامي» الأميركي اللامحدود، ودعم دوائر صنع القرار الصهيونية في واشنطن، لكن أصابه الغضب الصهيوني بعد تدمير مقر السفارة الإسرائيلية في بوينس ايريس عام 1992 ومن بعده تدمير مقر الطائفة اليهودية هناك عام 1994 في حادثين منفصلين، تؤكد كل الدلائل انهما وقعا نتيجة صراع «داخلي» بين فصائل إسرائيلية متصارعة، إلا أن إسرائيل طالبت بإلصاق الحادثتين بالفلسطينيين أولا، وعندما تبين من التحقيقات الرسمية عدم وجود علاقة، سارعت إلى مطالبة حكومة منعم بإلصاق الاتهام بإيران ومطالبتها بدفع الثمن، وعندما لم يجد منعم ما يدعم هذه الآراء، وتبين له عدم جدية الادعاءات حاول ووزير داخليته اليهودي «كارلوس قوراش» تجميد الموقف حتى لا تكتسب الأرجنتين أعداء جددا، عندها قررت الدوائر الصهيونية في واشنطن تدمير كل جهوده للتقرب إلى دوائر القرار الأميركي ما لم يدفع ضريبة الرضوخ لمطالبها. أيضا كان من بين المرشحين «أدولفو رودريجيث سا» الذي لم يصمد في مقر الرئاسة لأكثر من أسبوع واحد خلال سباق احتلال المنصب الذي خلا بهروب فرناندو دي لا روا، وتقدم لترشيح نفسه في هذه الانتخابات مدعيا لنفسه القدرة على علاج الأرجنتين من أوجاعها، برغم أن الجميع يعرف أنه أحد المسئولين عن تلك الأمراض التي تجعل البلاد تقف على حافة الهاوية. ثم هناك المرشح الراديكالي «لوبث مورفي» الذي تولى منصب وزير الاقتصاد مع زعيمه الرئيس الهارب «فرناندو دي لا روا»، ولم يمكث في منصبه لأكثر من أيام معدودة، أبعدوه بعدها لعدم قدرته على التوصل لعلاج يسكن من أمراض البلاد الاقتصادية. الأبشع من كل هذا أن القائمة ضمت ثلاثة من المرشحين للرئاسة ينتمون إلى حزب العدالة البيروني، ليؤكد ترشيحهم فشل الحزب في التجمع حول مرشح واحد لضمان الفوز بالرئاسة، فكان المرشحون الثلاثة يؤكدون لجماهير إلى أي مدى وصلت الانقسامات داخل هذا الحزب. السييء والأسوأ عندما حل موعد الانتخابات اختفت كل الدلائل التي كانت تشير إلى أن «رياح التغيير» ستهب قوية على الأرجنتين، واختفت معها الأعمال الجماعية التي كانت إشارة الجميع على هذا التغيير، وتحول الأرجنتينيون إلى شعب «تقليدي» يمارس الحياة التقليدية، وسيطر على الجميع شعار: «السييء المعروف بمساوئه خير من الأفضل المجهول»، وجاءت النتائج لتؤكد ذلك بفوز كل من «كارلوس منعم» البيروني و«نستور كريشنر» البيروني أيضا بأعلى نسبة من أصوات الناخبين في الجولة الأولى، وتأهلهما لخوض الجولة الثانية لتحديد من يحكم الأرجنتين في الفترة الرئاسية القادمة. هذه النتيجة بلا شك نتيجة غريبة، أو نتيجة لا تتسق مع المقدمات على الإطلاق، وستكون أكثر غرابة لو فاز «كارلوس منعم» في الجولة الثانية، لأن كل التحليلات التي حاولت البحث في الداء الذي أصاب الاقتصاد الأرجنتيني، وأدى به إلى الحال الذي آل إليه سببه سياسات كارلوس منعم الاقتصادية، ولو فاز كريشنير فلن تكون النتيجة أقل غرابة، لأن السياسة الاقتصادية التي سيسير عليها لن تختلف كثيرا عن سياسة منعم، لأن مهندسي هذه السياسة سيكونون من خبراء الحزب البيروني الذي ينتمي إليه كل منهما، بغض النظر عن تنافسهما معا على كرسي الرئاسة. لا فارق بين هذا ولا ذاك، فالجولة القادمة من الانتخابات الرئاسية في الأرجنتين التي ستجري بعد أسبوعين ستكون بين «بيرونيين»، أي أنها ستكون بين «بيرون» و«بيرون»، وكل الشواهد تشير إلى أن الفائز فيها هو كارلوس منعم، وأن الانتخابات ستكون بمثابة صراع بين «منعم ضد منعم»، لتعود البلاد إلى سيرتها الأولى. ـ كاتب مصري