الخميس 29 صفر 1424 هـ الموافق 1 مايو 2003 عندما تجنبت القوات الاميركية البريطانية المحتلة تدمير المنشآت المدنية العراقية في الأسبوع الأول للغزو، عجل البعض بالترويج لصورة الحرب النظيفة غير العدوانية التي لا تستهدف سوى «تحرير الشعب العراقي» من سطوة الديكتاتورية الحاكمة. ولكن بعض اهل الدراية بشئون الحرب والسلام وتقاليد الاستعمار المباشر، فندوا هذا الزعم. مشيرين الى ان غزوة بهذا الحجم لا يمكن ان تندرج تحت باب الاعمال الخيرية. وكل ما في الامر ان الغزاة استشرفوا في صيانة البنية التحتية العراقية مايساعدهم لاحقا على بسط سيطرتهم اللوجستية، ويخفض الأموال المستقطعة لاعمار هذه البنية (من جيب العراق ذاته». لصالح ماسيضخ في جيوبهم. قال العقلاء أيضا أن استهداف المرافق الاهلية سوف يستفز سواد العراقيين، وبخاصة الذين يرجى منهم الانقلاب على النظام، ويعيد الى الاذهان صورة الاستعمار الذي يأتي على الحرث والنسل، عوضا عن صورة «المخلص» التي يبتغيها المعتدون في كل عصر.. ويحتاجها الاميركون والبريطانيون هذه المرة بشكل حرج. سنن الاستعمار لقد اثير هذا الجدل بأسرع مما ينبغي له. فبعد أسبوع واحد من بدايتها انحرفت «الغزوة» عن ما أريد لها دعائيا واعلاميا.. أو حتى سياسيا وتكتيكيا، وراحت تضرب بيد باطشة في كل مكان.. ولم تستثن في ذلك بعض المستشفيات والاسواق ومخازن الأغذية والمؤن ومحطات التوليد الكهربائي والتجمعات السكنية والطرق وماعليها من سيارات مدنية.. فرضت السنن الاحتلالية منطقها، ولم يستطع القائمون بهذه الغزوة المداراة عليها مطولا. لكن هؤلاء لم يفقدوا الامل في التغطية على هذا المنطق، فقالوا ان قوى النظام العراقي تختلط بالناس ومرافقهم المدنية وتتخذ منهم دروعا تحتمي بها، مايعظم الخسائر الأهلية بلا قصد من القوات المحتلة. حسنا، اذا كان الامر كذلك - جدلا - فما الذي جعل هذه القوات - وهي التي يفترض اضطلاعها بدور المخلص - في عجلة من امرها؟ فتسحق كل شيء من اجل الوصول لشيء؟. أليس من المفترض ان قيادة الاحتلال على علم بالاستراتيجية الدفاعية للنظام العراقي.. وهي التي أوحت للجميع بأنها رصدت «دبة النملة» في الساحة العراقية؟. واذا كانت قد فوجئت بهذه الاستراتيجية. وهذا شبه مستحيل في وجود عيونها المبثوثة على الأرض.. وفي الفضاء، فلماذا لم تعدل في أسلوبها القتالي بما يقي البلاد والعباد «المستهدفين بالتحرير والخلاص» شرور ضرباتها القاتلة؟! وفي كل حال، تبدو فجاجة الدعاية الاميركية البريطانية من كونها استخدمت الذريعة وعكسها لاثبات انسانية الغزو وتخبئة حقيقته العدوانية. فقد ذكر ان عدم استهداف البنية التحتية هو لصالح العراقيين، ثم ذكر ان استهداف هذه البنية هو ايضا لصالحهم. هذا في حين تقول الوقائع الميدانية غير ذلك تماما، وهو أن الموقف من هذه البنية والمدنيين تحدد في ضوء مجريات الغزوة، ولم يكن له صلة بصالح العراق والعراقيين. ففي التحليل النهائي كان المدنيون ومرافقهم رهينة في يد القوات المحتلة. فهي تجاوزت عنهم لاغرائهم بالتمرد على النظام، ثم عاقبتهم للغرض ذاته. غير أن ما فات على اصحاب هذا التكتيك هو الكيفية التي رتب بها العراقيون أولوياتهم، بحيث تصدرت حماية الوطن ذاته كل تناقض داخلي. وبهذا أثبت هؤلاء جدارتهم بهذا الوطن وجدارته بهم.. ولذلك دلالات موحية بالنسبة للعلاقة المقبلة بين الاحتلال والمقاومة. على أن التفسير الأبعد غورا لقضية التعرض بالقتل لأهل العراق ربما كان مستقرا في مكان آخر اكثر ثباتا من ميدان القتال وضروراته المؤقتة، وهو العقل الاميركي وثقافة الإبادة المتغلغلة في تضاعيفه، فعقيدة «التطهر» التي يؤمن بها المستوطنين البيض في اميركا الشمالية، تقع في طليعة الايديولوجيات الابادية المغطاة بأبعاد دينية وعنصرية كثيفة. وقد سمحت هذه الايديولوجية لأولئك المستوطنين باستباحة تصفية السكان الأصليين عضويا بلا وازع. وتمت هذه التصفية إما بالقتل المباشر، أو عبر النقل العمدي للأمراض الوبائية. فكانت حكومة «جورج الثالث» في بريطانيا تمنح مكافأة مالية لمن يحضر فروة رأس «هندي احمر» قرينة على قتله. كما كان المستوطنون يتركون أغطية مصابة بالجدري كي يأخذها الهنود بما ينشر الوباء بينهم ويبيد منهم الكثيرين. ومن وسائل الابادة التي تفتق عنها ذهن الاميركيين تجميع السكان الأصليين واجبارهم على الرحيل الجماعي الى مسافات نائية (أي وسيلة ترانسفير) سيرا على الاقدم في ظروف بيئية قاتلة، تلقى بهم الى العالم الآخر! وهناك أمثلة أقرب إلى عهدنا، اذ علينا ان نتذكر كيف أسرعت الحكومة الاميركية الى استخدام السلاح النووي، سلاح الابادة الشاملة، عام 1945 ضد هيروشيما ونجازاكي في اليابان - وهما هدفان مدنيان - بلا أي مبرر عسكري، لأن اليابان كانت على وشك الهزيمة الكاملة. ثم إن هذه الحكومة ذاتها هي التي لاذت بسياسة الأرض المحروقة، أي الابادة، في الحرب الفيتنامية.. بما أودي بحياة زهاء مليوني مواطن فيتنامي. في المحيط الدولي، تغيرت حقائق كثيرة.. أو طرأت عليها عوارض الزمن ومستجدات الأحداث، لكن ثقافة الابادة ظلت من الثوابت التي لم تتخل عنها نخب الحكم والسياسة في واشنطن. فمنذ ميلاد الولايات المتحدة الى أيامنا هذه وناس كثيرون يموتون، اما بشكل مباشر أو غير مباشر، بفعل تجليات هذه الثقافة التي تشكل محددا أساسيا لسلوك هذه النخب بالتضامن والتعامد مع حوافز المجمع الصناعي العسكري الاميركي الهائل. ديمومة هذه الثقافة، واستشعارنا لمدى تعصب الادارة الاميركية الحالية وضيق أفقها، ووقوعها في حبائل جماعة من الرؤيويين الصهاينة.. هذا كله معطوفا على «صدمة» واشنطن من صلابة المقاومة العراقية، يدفعنا الى التحسب والحذر من تصعيد محتمل أهوج وعشوائي في استهداف كل مايطاله السلاح الاميركي في العراق. وممايضاعف إلحاح هذا الهاجس الصمت العربي والدولي المريب تجاه لجم العدوان الجاري، وكأنه يدور في كوكب آخر. ذلك أن أكثر ما يشجع قوة غاشمة على الانفلات المطلق هو استشعارها انها بوارد ان تقترف أي جريمة، ومع ذلك تفلت من أي عقاب. ـ كاتب فلسطيني - القاهرة