الخميس 29 صفر 1424 هـ الموافق 1 مايو 2003 «ما يستطيع العقل فهمه وتصديقه يستطيع تحقيقه» نورمان فنسنت. نيل تظهر هذه العبارة العلاقة المترابطة التي تنظم الفهم والسلوك في اطار واحد. فالمرء لا يقوم الا بالعمل الذي يؤمن به، ويتوافق مع قناعاته الخاصة. ولذا فان جودة السلوك من جودة القناعات التي اجتهد الفرد النابه بتكوينها من مصادر معرفية لا يرقى الشك لفاعليتها في حياة الفرد العقلية، وبدورها في توجيه سلوكه في الاتجاه الصحيح. وكل اهمال في حماية الذات من ان تتسرب اليها مفاهيم خاطئة سوف يفوّت المزيد من الفرص على العقل ليكوّن منظومة قناعاته بطريقة علمية مدروسة تحتكم إلى المعيارية وتنهج النهج العلمي، وتخضع بطريقة واعية للقوانين السائدة في شتى بحور المعرفة. وحتى يكتسب العقل الواعي كل تلك القناعات العليا عليه ان يعرف الطريق لنيل المعرفة وان يجتهد في بلوغها بغض النظر عن الوقت الذي سيستنفده باحثاً ودارساً وتلميذا مجداً يحرص ان يبقي عقله في كامل نشاطه وألقه، وان يظل مشدوداً الى مصادر التنوير والاضافة والتكوين لمجمل افكاره وارائه. وكم تجرع اشخاص كؤوس الاسى والندم، ودفعوا حياتهم ثمناً للدفاع عن قضايا خاسرة ما كانت تستحق ان يلتفت اليها او يأبه بها، والسبب اهمال مناقشة تلك القناعات التي افضت بهم إلى الدفاع عما لا يستحق من الآراء، وتكريس العمر لغير ما سبب وجيه او هدف يستحق افراغ الجهد والطاقة من اجله!! ان اهمال نقد الافكار، وعرضها على ميزان العلم يدفع الفرد باتجاه نفق مسدود لا مخرج له الا بمراجعة الذات، واكتشاف الثقوب الكبيرة في منظومة المفاهيم التي تحتاج إلى غربلة وتصفية عجز عنها الفكر المحدود، وارتضاها على علاتها وآفاتها وفقدانها للصلاحية والفاعلية. ومن اوضح الامثلة على الخسائر التي يتكبدها الافراد والجماعات نتيجة المفاهيم المبتسرة التربية الضاغطة التي يمارسها بعض الاباء تجاه ابنائهم من اجل الحصول على اعلى المعدلات الدراسية. وقد غاب عن وعي هؤلاء الاباء ان حرمان ابنائهم من حقوقهم الطبيعية في التسلية والترويح عن النفس سيؤدي بهم إلى كره الدراسة والنفور منها. فالحماية الزائدة ليست أقل شراً من الاهمال والتفريط. بل أزعم ان المبالغة في اخذ الاحتياطات لانجاز هدف التفوق سيسحق روح الفرد، ويعطل لديه وظائفه العقلية، وسيطفيء حماسه نحو التعلم والبحث. وان ما نراه من تعسف في إدارة البيوت وفقاً لقانون الطواريء هو مقتل العملية التربوية، وهو كعب اخيل العلاقة الاسرية التي تفتقد الكثير من مقوماتها في ظل القيود الصارمة، والضغوط الشديدة التي تحول الجو الاسري إلى اجواء شبيهة بما يحدث في الثكنات العسكرية حين تتأهب للانقضاض على عدو يسابق الزمن لكسب الجولة وتكبيد خصمه خسائر موجعة!! وفي السياق نفسه ارى ان مجمل الاسئلة الشفوية التي تصلني اثناء الدورات التدريبية او بالهاتف تؤكد ان من يحتاج إلى تنظيم المفاهيم وبناء سلم الاولويات في ادارة الوقت هم الاباء وليس الابناء. حيث ان الصورة الذهنية المرسومة في مخيلة بعض الامهات حول التفوق الدراسي هي صورة غير واقعية وبها الكثير من المبالغات الخارجة عن حدود الاعتدال وعن خط التوازن. كما ان هدف التفوق الذي يتبناه الاباء لا يحظى بآلية عمل فعالة تتيح للابناء فرصة الاختيار الواعي لنيل التفوق دونما حاجة إلى افتعال الازمات او اللجوء إلى العنف اللفظي او الجسدي الذي يتسبب في حدوث اضرار نفسية وجسدية لا يمكن تسويغها تحت أي ذريعة او عذر. لقد حرم هؤلاء الاباء مصادر المعرفة بقواعد التعامل مع الابناء، وحولوا بيوتهم إلى معامل للتجارب والاجتهادات العشوائية دون ان يلتفتوا إلى ضعف حصيلتهم المعرفية بأسس التربية الفعالة، وبغير أن يبذلوا الجهد لتقييم سلوكهم التربوي مما نتج عنه سلسلة متوالية من الاخطاء في حق الابناء والتي كان بالمقدور تجنبها بالوعي والمعرفة. m-alnaymi@maktoob.com