الخميس 29 صفر 1424 هـ الموافق 1 مايو 2003 اذا كان الاميركيون جادين في موضوع الديمقراطية ومشروع دمقرطة العالم العربي، واذا كان الرئيس بوش صادقاً في كل ما يطرحه في خطاباته التي تتناول الوضع في المنطقة العربية الساخنة دائماً والعراق الذي يغلي تحت السطح اكثر مما هو فوق السطح، اذا كانت اميركا تعاملنا في موضوع الدمقرطة هذا بجدية وتتخاطب معنا كأشخاص كبروا بما فيه الكفاية خلال قرون من عمر الحضارة، وشبوا عن الطوق وخرجوا على الوصاية، فان هناك كلاماً كثيراً لدينا يتوجب ان يسمعوه منا على اساس الحوار الحضاري واحترام الرأي الآخر. هذا المبدأ المتحضر جداً يفرض على السادة الاميركان اصحاب رسالة الديمقراطية وتحرير الشعوب من التخلف والديكتاتوريات و .. الخ منظومة مصائب العالم الثالث، يفرض عليها ان تبتعد قدر استطاعتها عن الارهاب الذي تمارسه على الانظمة العربية للضغط على الكتاب والصحفيين والصحافة والاعلام بشكل عام، الضغط عليهم باتجاه تخفيف نبرة العداء تجاه الولايات المتحدة وسياستها ما يجعل بعض الانظمة العربية ـ بارك الله لنا في اجتهادها ـ تتحول الى اميركية اكثر من اميركا نفسها فتضغط على اعلامييها ليس باتجاه تخفيف نبرة العداء، وانما بتحويلها الى نبرة غزل وتعاطف تقود قراء بعض الصحف والمقالات العربية الى حالة اشمئزاز حقيقية!! ما سبق مقدمة لابد منها لما نريد طرحه اليوم، والمتعلق بالعملية الاستشهادية التي نفذتها كتائب الاقصى فجر امس الاربعاء في مقهى بتل ابيب قرب السفارة الاميركية وأودت بحياة خمسة اشخاص وجرح العشرات، لقد ادان البيت الابيض العملية، ووصفها المتحدث باسم مجلس الامن القومي بالعمل الجبان والارهابي، كما وصف الاستشهاديين بقوله «هؤلاء المفجرون القتلة يحاولون اغتيال المدنيين الابرياء بل يحاولون ايضا قتل آمال الشعب الفلسطيني في دولته الحرة الديمقراطية التي تنعم بالرخاء» !! اما وزارة الخارجية الاميركية فقد وصفت العملية بأنها عمل (خسيس)، اما المصيبة فجاءت من الجانب العربي الذي لا يبارى في المزايدات على قضيته عندما تعهد السيد الجديد ابو مازن بكبح جماح النشطاء الذين كانوا وراء الهجمات الارهابية على المدنيين!! هذه هي الصورة باختصار، وهي الصورة التي تتكرر منذ زمن بعيد وتطرح اسئلتها تلقائيا بالقول: اذا كان قتل الابرياء عملاً خسيساً فان الخسة نفسها هي التي يمارسها جنود جيش شارون في كل الاراضي الفلسطينية، حتى صار القتل والدم هو حوار الازقة والمنعطفات والبيوت الفلسطينية اليومي، واذا كان القتلة الارهابيون قد فجروا مقهى راح ضحيته اربعة او خمسة اشخاص او حتى مئة أو الف، فماذا نسمي شهداء القتل اليومي في فلسطين منذ خمسين عاماً واكثر؟ انسميه خسة، ام نذالة أم ارهاب دولة منظماً؟ أم ان الولايات المتحدة ستطالبنا بتسمية هذا القتل بالعمل الاخلاقي النبيل ضد الفلسطينيين المتوحشين لاثبات حسن النوايا العربية واستعدادنا للتعاون في مكافحة الارهاب، ما يجعلنا نستحق الديمقراطية الاميركية فعلاً؟ وماذا يمكن ان تسمي اميركا قتلها اليومي لابرياء العراق، العراق الحر، عراق ما بعد صدام ـ ولندع جانبا جرائمها ايام الحرب فهذه حكاية اخرى ـ ماذا تسمي ضحايا حي الزعفرانية الذين هالت على جريمتها في حقهم التراب؟ وماذا تسمي قتل ابرياء الفلوجة منذ يومين؟ وماذا ستسمي شهداء الانتفاضات والمظاهرات القادمة في العراق والتي تلوح طلائعها في الافق برغم مهرجان اللقاءات والمجالس التي يجهزها (غاي غارنر) لاحكام القبضة على العراق على الطريقة الاميركية التي لا تخطر على البال؟ والمهم كيف سيكون مطلوب من الاعلام العربي ان يتعاطى مع هذا القتل اليومي للانسان العربي بماكينة العسكر الاميركان؟ ماهي التعليمات الجديدة التي سيسلمها سفراء اميركا للحكومات العربية وما هي الضغوطات التي ستمارس على وزارات الاعلام العربية ووسائل الاعلام العربية؟ هل علينا ان ننظم قصائد على شاكلة: نعم لنعترف بأنهم بشر وبأننا اشياء نعم لنعترف بأن دماءهم دم ودماؤنا ماء .. اذن شدوا الاغطية وناموا فالقادم ليل بلا منارات لان اميركا كانت قطعت الكهرباء عن كل المدن العربية! Aishasultan@hotmail.com