المرونة .. بين المراجعة والتراجع ـ بقلم: د. صابر فلحوط

الخميس 29 صفر 1424 هـ الموافق 1 مايو 2003 يتبارى المحللون في الفضائيات، على مدار الساعة الإعلامية في الحديث عن حال الأمة بعد ـ خراب البصرة ـ العراقية. وتركز التحليلات، حول الحلقة القادمة من المخطط، الذي اعلن عنه اليمين الصهيوني في البيت الابيض والذي يستهدف استباحة المنطقة، واعادة رسم خرائطها، وتفصيل انظمتها، حسب المسطرة، والمقاس المنسجم مع عصر العولمة الاميركية، وانهيار قلعة الشرعية الدولية، وسيطرة القطب الواحد الحاكم بأمره وارادته!! وتأخذ التهديدات التي صدرت عن بعض رموز الادارة الأميركية ـ ضد سوريا ـ مساحة واسعة من التحليلات والآراء، والنصائح، والاجتهادات التي تتداولها وسائل الإعلام كافة. وبصرف النظر عن الأهداف العميقة والبعيدة للعدوان على العراق والتي تتجاوز النفط والموقف والعمق لتصل إلى تحقيق الحلم الصهيوني العنصري بكيان ما بين النيل والفرات، فإن الهدف الاعمق، والابعد انما هو استئصال الفكر القومي، واجهاض حلم الامة في ان تستعيد وحدتها ورسالتها التي تتجذر في ضمير اجيالها. من هنا تحاول الافكار غير البريئة الربط بين البعث في العراق، والبعث في سوريا دون الاشارة ولو سريعاً للفوارق الهائلة في الفكر والسلوك والتعاطي مع القضايا الوطنية والقومية. فقد حكم البعث في العراق ثلاثة عقود، فعل فيها ما يجعل السواد والحداد من أبرز صفحات تاريخه، بدءاً بالحرب على إيران ومروراً بغزو الكويت واستخدام الأسلحة المحظورة ضد الشمال والجنوب على حد سواء، وانتهاء بتدبير المؤامرات، وتنفيذ ابشع عمليات القتل والإرهاب ضد المواطنين في سوريا خلال عقد الثمانينيات، والاستهتار بقرارات الشرعية الدولية، وحقوق الانسان، وكل ذلك ابعد ما يكون عن خدمة القضية المركزية للأمة وعقيدة البعث الاصيل. كما يتناسى بعض المحللين ان عملية الطلاق في البعث قد حصلت خلال حركة 23 فبراير 1966 في سوريا، حيث طردت مجموعة العراق من البعث وحكم بالاعدام على رموزها الذين هربوا إلى العراق وكان موقفهم معادياً لسوريا قيادة ومنهجاً وتوجهاً. وسوريا التي يقودها حزب البعث مع سبعة أحزاب تمثل الجبهة الوطنية التقدمية، ومختلف ألوان الطيف السياسي التعددي في سوريا، لم تكن وخلال اكثر من ثلاثين عاماً، على وفاق ولو يوماً واحداً مع النظام في العراق ولا يمكن ان تنسى عملية الخداع والاجرام التي مارسها ذلك النظام بحق الأمة، يوم أجهض حلم الوحدة بين القطرين عام 1979، واعدم على اثرها العشرات من نخبه وكوادره القيادية بحجة الانحياز أكثر من اللازم إلى الوحدة!! كما ان سوريا، وهي تراجع مواقفها، وتقوم مسيرتها على مختلف الصعد بعد زلزال العراق فإنها لا يمكن ان تتراجع عن الثوابت الوطنية والقومية فيما يخص تحرير أرض الوطن، وحقوقه المشروعة مهما تكثفت الضغوط، وعصفت التهديدات، وفي الوقت ذاته فإنها تتعاطى مع الواقع بعقل وقلب مفتوحين ومرونة سياسية ذكية تحسن استخدام التوازن بدقة أولويات الوطن، ومعطيات المرحلة وتداعياتها. ولهذا فإن سوريا التي تشيد بناءها الديمقراطي الشعبي الراسخ، وسلامها الاجتماعي غير المسبوق، وتحقق استقرارها المدهش منذ ثلاث وثلاثين سنة، لن تكون إلا عند حسن ظن امتها بها، في مواجهة التحديات الراهنة بالحكمة، والشجاعة، والمرونة والتي تراجع ولا تتراجع عن الثوابت الوطنية التي تحقق السلام العادل، وتصون الحقوق والكرامة. ـ نائب رئيس اتحاد الصحفيين العرب

طباعة Email
تعليقات

تعليقات