الخميس 29 صفر 1424 هـ الموافق 1 مايو 2003 في نهاية درامية مثيرة تفوقت على كل شطحات مخرجي الدراما والميلودراما في الافلام العربية والهندية، سقط تمثال صدام وتبعته كل تماثيل صدام التي انتشرت كالوباء في كل زوايا الطرق والميادين والدوائر والوزارات في العراق، ويؤكد العالمون ببواطن الامور ان هدف صدام وحاشيته من نشر تماثيله وصوره في كل موقع في بغداد وفي باقي المدن يهدف اساسا الى اعادة العقل الى كل من تسول له نفسه الامارة بالسوء التفكير في الثورة او الاعتراض على الطاغية والطغيان، فيفاجأ قبل ان يسترسل في احلام التحرير والتغيير بصدام (تمثالا او صورة) ينتصب امامه ساخرا او مهددا، فيسرع باطفاء احلامه واخماد افكاره متصورا ان لدى مخابرات النظام من الوسائل ما يكشف افكاره ويفضح احلامه فيقدم للمحاكمة بتهمة الخيانة العظمى فيصدر الحكم باعدامه.. بعد ان يكون قد اعدم فعلا!! الجماهير التي صورها اعلام العراق قبل وقبيل سقوط الصنم ـ شخصا وتمثالا ـ وهي تهتف «بالروح.. بالدم.. نفديك يا صدام» امام كاميرات النظام التي تسجل بالصوت والصورة كل من يتخاذل او يتوانى عن الهتاف فيكون نهاره ونهار من جابوه اسود من الهباب، نفس هذه الجماهير خرجت (بعد تأكدها تماما من سقوط الصنم والتمثال) وبعد تأكدها اكثر من ان الكاميرات التي تصورها كاميرات عادية لا تنظر بعيون صدام او مخابراته، لتؤكد في استفتاء حر مفتوح فرحتها بسقوط الطغاة، ولتخرج ألسنتها التي احتبست في حلوقهم طويلا، لذلك الاستفتاء الكوميدي الذي اخرجه مخرج الروائع الصدامية فجاءت نتيجته ـ ولاول مرة في التاريخ ـ نعم لصدام بنسبة (100%)!، وهي نسبة لم يحصل عليها نبي ولا رسول ولا خليفة من الخلفاء الراشدين عليهم رضوان الله! راح صدام.. فهل راح كل الصداميين؟، سقط تمثال.. فهل سقطت كل التماثيل في عالمنا الثالث (والعربي منه بالذات)؟، واقع الامر ودلائل الاحداث تؤكد ان اصناما كثيرة تجلس في انتظار الرحيل، وان تماثيل كثيرة.. بعضها من صنع المثالين ومعظمها من صنع الاعلاميين اتباع السلطان، بدأت تهتز مؤذنة بالسقوط القريب والرهيب.! الدرس جاء قويا.. وقاسيا.. ومفاجئا للجميع، للحكام الذين ظنوا ان تمثاليهم ـ الاسمنتية والاعلامية ـ اقوى من الزمن.. واقوى من التاريخ.. واقوى من الشعب، ولكن ـ وسبحان من خلق لنا هذه الـ (لكن) التي تقف بالمرصاد لتبرز في الوقت المناسب محطمة احلام من تصوروا ان حصون السلطة والسلطان.. وان جيوش الحرس والاتباع حامية لهم من النهاية الطبيعية والمنطقية في قاع (مزبلة التاريخ)! اقول ولكن لا احد يستفيد من دروس التاريخ او حتى يهتم بقراءته ـ ان كان يعرف القراءة ـ، ولا احد تعلم ان حبل الكذب قصير.. وان التطبيل الاعلامي للسيد الصنم الجالس على كرسي السلطة لا يستطيع ان يصنع من الجاهل عالما.. ولا من الأخرق حكيما.. ولا من الجبان اسدا.. ولا من الفاسق خليفة للمؤمنين، وان نظرية (اكذب.. ثم اكذب.. ثم اكذب.. حتى تصدق نفسك ويصدقك الناس) ما هي الا اكذوبة كبرى اخترعها مستشارو الغفلة وضحكوا بها على اصحاب الفخامة الاصنام فصدقوها واتبعوها.. وصدقوا فعلا انهم علماء وانهم حكماء.. وانهم (شجعاء) وانهم خلفاء المسلمين وظل الله على الارض.!، ولو علموا حقيقة رأي الشعب فيهم لاختصروا الطريق والوقت وانزاحوا قبل ان يلقوا مصير صدام الذي قد يكون ارحم من مصيرهم الذي لا مفر منه!! يبقى السؤال الساذج.. من الذي اسقط صدام وتماثيل صدام؟ من هو البطل المغوار الذي اطاح بصدام وتماثيله بين يوم وليلة؟ وقبل ان يحاول احد انتزاع هذا الشرف لنفسه.. نقول ان صاحب هذا الفضل وهذا الانجاز هو صدام نفسه وليس سواه، ولولا سياسته الحكيمة.. وانجازاته الرهيبة على مدى ثلث قرن من الزمان لما كان هذا السقوط لهذا النظام الـ (واجد مسكرة) على رأي اخواننا الآسيويين، ولما كانت هذه الفرحة العارمة لسقوط المهيب الركن واعوانه المغاوير واتباعه الاشاوس!! اقتراح اخير.. قد يكون غريبا.. اتمنى ان يقام تمثال كبير.. كبير قدر الامكان.. للفقيد غير العزيز صدام حسين، يوضع في وسط اكبر ميادين العاصمة، ويكتب تحته بخط واضح شديد الوضوح يراه كل حاكم قادم كلما مر موكبه بهذا المكان: «يمهل.. ولا يهمل»!