الخميس 29 صفر 1424 هـ الموافق 1 مايو 2003 قبل ان تعلن نهاية الحرب على العراق رسمياً، وتصمت أصوات القاذفات وراجمات الصواريخ والقنابل الرقمية، اندلعت حروب الكلام والبيانات والمؤتمرات، كثيرها غث وقليلها به مسحة من صدق النوايا، حتى وان شاهت الرؤى وعميت البصائر، بفعل المتاهة العبثية، وتكاثر الاكاذيب وتراكمها فوق بعضها البعض، لدرجة يستحيل معها على رجل الشارع ان يدرك أين الحقيقة فيما يجري، او يتعرف على طبيعة ما يحاك للعراقيين من خطط تسير المقبل من ايامهم العصيبة. حروب الكلام عن العراق وللعراق، تدار معظمها بالوكالة المزيفة في غالبها الاعم، لدرجة تتيح للغاصب المحتل، تحديد الأدوار وتهيئة خشبة المسرح وتوزيع الانصبة، وفرض لغة الحوار المطلوبة، وصنع «الحبكة» وفقاً لسيناريو مصطنع سابق التجهيز، يقذف بأبطال وأصحاب الحق إلى هوة النسيان، ويعلي من قدر الأفاقين ولصوص البنوك والعملاء، ويضعهم في واجهة الحدث، يلوكون عبارات داعرة عن الفضيلة والوطن والمواطن، وعوراتهم السياسية والاخلاقية لا يسترها كل ما اتيح لهم من اغطية، لان سترهم هتكته افعالهم من زمن.. لكنها لعبة الخداع الابدية، اتقنها اللاعبون الممسكون بخيوط تحريك الدمى. في العراق، تختبر حروب الكلام وتمتحن في اجواء عاصفة غير مواتية، قدرة الأمة على تجاوز المحنة، محنة الاحتلال، ومحنة فراغ السلطة بعد زوال ملك عضوض حول الوطن إلى سجن كبير، وساحة للفساد السياسي، امتهنت فيه كل قيم النبل والوحدة العربية والكرامة لتمديد العمر الافتراضي لسلطة غاشمة وتكريس قبضة الحكم الفردي وتوريثه للابناء باسم الجمهوريات التي تسخر من عقول البشر وتتماهى مع اشد الملكيات العضوضية التي عفا عليها الزمن. خطورة ما يجري من حروب الكلام في العراق، ان العطش للديمقراطية شديد لدرجة الظمأ، بحيث لا يملك الفرد التفريق بين ماء زلال وآخر ملوث مميت، المهم ان يروي ظمأه الان وليس غداً، وكذا الجوع فتاك يدفع الجميع لتلمس سد الرمق بأي طعام حتى لو كان عشاءه الأخير. في أحوال كهذه تروج بضاعة الغشاشين والمفسدين والمزورين، ويتلاشى صدى نداءات لرعاة الحق المبشرين بالخلاص، ويشتد حولهم الحصار، وتثار في وجوههم عواصف الغبار حتى يحجب عن الجمهور رؤيتهم ويحال دونهم ورؤية تعرجات الطريق المحفوفة بالمخاطر. حروب الكلام في العراق، تشبه دون اخلال بالسياق جدل البيزنطيين، قبل سقوط بيزنطة، والذي افرخ حتماً سقوطها، اما في العراق فالجدل ليس عقيماً في مبتدئه بل في منتهاه، او محتواه، عندما يطرح السؤال: الديمقراطية أولا ام زوال الاحتلال؟ دون الانتباه لحقيقة ان الغاصب لا يقبل سوى بديمقراطية الدمى والازلام، ديمقراطية تهتف بحياته وترعى غرسه المسموم، وتهييء الاجواء لسيطرة الفاسدين الباحثين عن دور يغسل اسماءهم من رجس أعمالهم وشين تاريخهم. صحيح ان حرية رغيف الخبز تسبق دائماً حرية الرأي والكلمة، مثلما لخص الامام أبو حنيفة النعمان قانونها بكلمته المأثورة: «لا تشاور من ليس في بيته دقيق» لكن العراق ليس الصومال أو تيمور الشرقية، فموارده تضعه في مصاف أغنى الدول، لو وضعت ثرواته لصالح شعبه بعيداً عن عتاة النهب الدولي ووكلائهم المحليين. والأصح ان مقادير الشعوب لا تحتمل التأجيل، والتسويف، مثلما لا تقدر على حرق المراحل، ولا يمكن ان يُطلب من المتعافي حديثاً من الحمى ان يتجاوز طور النقاهة ويعاود حياته الطبيعية، وبالمثل فإن العراقيين مازالوا في طور النقاهة من مرحلة الطغيان والحصار والتدليس السياسي والفساد، وليس من المنطقي انتقالهم الى ديمقراطية حقيقية، وقصارى الأمل ان يتخطوا مرحلة النقاهة السياسية بأمان دون انزلاق في توابع العواصف والفتن والمحن، دون اعتبار ذلك مبرراً لبقاء الاحتلال أياً كان شكله وهويته. والرهان حالياً على ضمير العراق من دعاة ومثقفين قبضوا بأيديهم على جمر متقد طيلة ربع قرن، دون ان تنحى الجباه أو تزيغ الابصار، وعادوا إلى بغداد في غمرة الفوضى وشيوع النهب الذي شوه صورتها المضيئة، فأعادوا لها بهاءها المفقود، وفجروا في شوارعها هبة جماهيرية عاتية في وجه الاحتلال، قادها العلامة أحمد الكبيسي بعد ان جمع حوله علماء العراق تحت لافتة الوحدة الوطنية وإسلام بلا طوائف ومذاهب، دون الانزلاق للدعوة لحكومة دينية. والمطلوب من الكبيسي بتاريخه وعلمه ودوره الملزم به أمام أمته ان يواصل ايقاظ ضمير العراق، ويرعى تحركاً تنويرياً يحفظ للعراقيين وحدتهم ويجلي أبصارهم ويزيل عنهم غشاوة فتن الاحتلال والمتربصين للانتقام والطامعين في سلخ العراق عن سياقه العربي ونسيجه الحضاري. صحيح ان المهمة صعبة والأيام حبلى بالفتن... لكن قوة الكلمة تنتصر غالباً على حماقة القوة.. وهذا أملنا جميعاً في عراق متعافى موحد وضيء الوجه عروبي الهوية إسلامي التوجه.