الاربعاء 28 صفر 1424 هـ الموافق 30 ابريل 2003 كيف يمكن لادارة بوش ان تتنصل من وعدها الدعائي باحلال نظام ديمقراطي تعددي في العراق؟ احدى وسائل التنصل المتاحة يمكن ان تكون توريط العراق الواقع تحت الاحتلال في ازمة سياسية خارجية مفتعلة.. فتكون الأزمة بتداعياتها والنفخ فيها مبرراً «لتأجيل» التحول الى الديمقراطية في العراق. وهذا بالضبط هو ما يفعله الآن وزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفيلد. دون مقدمات فتح رامسفيلد نيرانا كلامية على ايران متهما اياها بالتدخل في شئون العراق الداخلية لمحاولة التأثير في مستقبله السياسي. هتف رامسفيلد: لن نسمح لايران باقامة نظام حكم ديني في العراق على غرار النظام الايراني، وهذه الجملة ينبغي ان ينظر اليها كفاتحة لزوبعة سياسية ودبلوماسية تشتد الى درجة حجب الرؤية عن المشهد العراقي الداخلي. ولنتساءل أولاً: من يحق له ان يقرر نظام الحكم الملائم للعراق؟ قطعا الشعب العراقي.. ليس رامسفيلد ولا بوش ولا غيرهما، ايا من يكونون.. وانما الشعب العراقي وحده هو صاحب هذا الحق. فلو توفرت للشعب العراقي بكافة فئاته وانتماءاته حريات التعبير والتنظيم والانتخاب فإن من حقه ان يتخير ما يشاء من انظمة الحكم بما في ذلك نظام حكم اسلامي. لكن السؤال الذي ينبغي ان يطرح راهنا هو: أين هذه الحريات؟ وأين النظام الديمقراطي التعددي الذي وعدت به الولايات المتحدة؟ ومتى يطبق؟ هذه هي القضية المرحلية الفورية التي ينبغي ان تكون الهاجس الاعظم نظرياً لرجال ادارة بوش. ان تحديد الفلسفة السياسية التي ينبغي ان يرتكز عليها نظام الحكم المستقبلي في العراق، يبدو الآن وفي هذا الوقت المبكر وكأنه من قبيل الترف الذهني، فالمطلوب كضرورة آنية وفورية هو الحريات والتعددية. وهذا بالضبط ما تطالب به الآن كل الاحزاب والمنظمات العراقية التي اعلنت عن نفسها داخليا أو خارجياً، بغض النظر عن توجهاتها المختلفة والمتنوعة. ولم يشذ عن ذلك تنظيم «المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق» الذي يرى في ايران حليفاً. وهذا بالضبط ايضا ما يسعى رامسفيلد ورجال بوش الآخرون لعرقلته وتعطيله. ان الولايات المتحدة باتت تكتشف يوماً بعد يوم انها تواجه في العراق عداء سياسياً شاملاً من كل الوان الطيف السياسي تقريبا، عدا شخصيات من المعارضة الخارجية ليس لها اي وجود جماهيري في الداخل، وبناء على هذه الحقيقة فإن ادارة بوش باتت تدرك ايضا ان احلال اي نظام ديمقراطي تعددي لن يأتي إلا بحكومة وطنية مستقلة عن ارادة واشنطن فما هو المخرج؟ لن يكون بوسع الرئيس بوش ان يعلن للعالم ان الولايات المتحدة قررت الغاء وعدها باقامة نظام ديمقراطي تعددي في العراق. من هنا كان التفكير في افتعال أزمة مع ايران بغرض صرف الانظار عن قضية الحرية في العراق. والمتوقع ان تشهد الايام المقبلة تصعيدا للاتهامات الاميركية بأن طهران تتدخل في صميم الشئون الداخلية العراقية. ولن يكون مثار دهشة ان يتواصل هذا التصعيد على نحو عسكري بأن تقوم الولايات المتحدة بتشجيع وتحريض تنظيم «مجاهدي خلق» الايراني المسلح على استئناف هجماته عبر الحدود الايرانية انطلاقا من قاعدته في الاراضي العراقية. وعندما يتضاعف اشتعال الموقف فانه سيكون بوسع ادارة بوش ان تعلن ان الظرف غير ملائم للانتقال بالعراق الى وضع ديمقراطي تعددي. غير ان الولايات المتحدة تلعب بالنار. فاللعبة ستكون اولا مكشوفة ذلك انه سيكون من المستحيل تسويق اتهام ايران بالتدخل في شئون العراق في دولة اجنبية لها وجود احتلالي عسكري داخل العراق نفسه. هناك ايضا رد الفعل الداخلي المتوقع. فالقوى السياسية العراقية ذات الوزن التي كانت تعارض النظام البعثي الاستبدادي لمدى اكثر من ثلاثة عقود لن تقبل ان يكون البديل استبدادا احتلاليا اجنبيا. ومنذ أن وقفت الحرب ظل العالم يشهد مظاهرات يومية في العراق تطالب برحيل قوات الاحتلال. وعندما تدرك القيادات السياسية ذات الثقل الشعبي ان الوعد الأميركي باحلال الديمقراطية التعددية ليس سوى وعد دعائي، فانه غالبا ما تنتهي مرحلة التظاهر السلمي لتبدأ مرحلة من المقاومة الشعبية المسلحة.