الاربعاء 28 صفر 1424 هـ الموافق 30 ابريل 2003 تميزت السياسة التركية والإيرانية إزاء الحرب الاميركية على العراق بالحرص الشديد على عدم الانزلاق إلى مجريات هذه الحرب، وعلى الرغم من هذا الحرص فانهما تنظران بقلق بالغ إلى النتائج المنتظرة من الاحتلال الاميركي للعراق وتداعياته على الأمن الداخلي والإقليمي لكل منهما، ومع ان النظام في كل من هذين البلدين يختلف عن الآخر في طبيعته ونهجه وأسلوب إدارته في الداخل وكذلك سياسته الخارجية فان هذه الحرب وضعتهما أمام تحديات مشتركة على أكثر من صعيد ومستوى دون ان تلغي هذه التحديات الحساسية التاريخية والابعاد السياسية في سياسة البلدين تجاه العراق والمنطقة عموما، والتي برزت على شكل تنافس محموم بحثا عن الدور الإقليمي وتقديم النموذج السياسي الذي يمكن الإقتداء به من قبل دول المنطقة وشعوبها فضلا عن امتلاك كل جانب لمجموعة من العوامل والأوراق إزاء العراق ومصيره. وفي الواقع ، بقدر ما هناك تحديات أمنية مشتركة تبرز امام الدولتين جراء الحرب على العراق واحتلاله بقدر ما هناك عوامل وحساسيات وقضايا من شأنها الدفع بحالة الحرص والحذر من قبل الجانبين إلى الحركة في اتجاهين مختلفين : الأول : نحو المزيد من التعاون سواء في المجال الثنائي أو في المجال الإقليمي (التنسيق مع سوريا والسعودية وباقي الدول العربية) من أجل بلورة سياسة إقليمية مشتركة والتنسيق بهدف الحد من التداعيات الأمنية لاحتلال العراق على الأمن المحلي والإقليمي لهذه الدول. الثاني : نحو نوع من التصادم الأمني والسياسي بينهما في العراق ولا سيما في شماله الذي أخذ يضفي بعدا أمنيا جديدا على صراعات المنطقة ومشكلاتها المتشعبة. توافق واختلافات الثابت في هذه المعادلة الأمنية التي تحكمت بالعلاقات الإيرانية - التركية ان البلدين اتفقا عبر التاريخ على منع إقامة دولة كردية في شمال العراق، نظرا لعلاقة قيام مثل هذه الدولة بالأمن الداخلي لكل منهما، حيث طموحات أكراد تركيا وإيران لا تقل عن طموحات أكراد العراق وتطلعهم إلى نيل جملة من الحقوق القومية ، وهو الأمر الذي يعني في نظر طهران وأنقرة وربما باقي عواصم المنطقة تشكيل خريطة جديدة للشرق الأوسط على أسس طائفية وعرقية ومذهبية....، تشكل في مجموعها العام الفسيفساء الاجتماعي لبنيان الدول المجاورة للعراق. وباستثناء الاتفاق على منع إقامة مثل هذه الدولة الكردية فان البلدين ربما لا يتفقان على باقي جوانب الملف العراقي ولا سيما تلك المتعلقة بمستقبل العراق، وإذا ما ضمن الأتراك من خلال الاتفاق مع الولايات المتحدة منع إقامة دولة كردية في شمال العراق فانهم قد لا يجدون ما يمنعهم من الإسهام بطريقة أو أخرى في رسم المشهد السياسي المقبل في العراق، بل ان مثل هذا المشهد الذي ينبغي ان يكون منسجما مع السياسة الاميركية سيكون على علاقة وثيقة ومترابطة بالسياسة التركية التي هي على علاقة وثيقة باستراتيجية السياسة الاميركية في إطار منظومة أمنية تعمل واشنطن على فرضها عالميا، وعند هذه النقطة فان أولوية السياسة التركية حيال مصير العراق تتجه نحو الاصطدام مع سياسة إيران بهذا الخصوص ، وإذا ما سارت الأمور على نحو ما تخططه واشنطن في هذا الاتجاه فإن إيران ستجد نفسها محاصرة بل ومطوقة من جانب الولايات المتحدة، سواء بشكل مباشر من خلال وجود عسكري أو عبر حلفائها ومن خلال نفوذ سياسي، فحدود العراق مع إيران والبالغة قرابة ألف ومئتي كيلو متر ستصبح نقاط تماس مباشرة بين القوات الاميركية التي تنتشر هناك والجيش الإيراني ، وهذا يعني ان إيران أصبحت مطوقة اميركيا من كل الجهات عبر الخليج والعراق وتركيا وأفغانستان وباكستان. وانطلاقا من هذا البعد الاميركي في السياسة التركية وأولوياتها تجاه مصير العراق، فانه بالنسبة لإيران تبدو مسألة التنسيق الإقليمي مع تركيا مسألة صعبة بهذا الخصوص ، نظرا لاختلاف أولوية كل من إيران وتركيا في الاستراتيجية الاميركية، ففي الوقت الذي ترى هذه الاستراتيجية في تركيا دولة حليفة ولها مكانة خاصة في السياسة الاميركية ترى في إيران العكس ، فهي تصنفها على انها دولة راعية لـ (الإرهاب) وأدرجتها ضمن ما أسمته واشنطن بدول (محور الشر) فضلا ان واشنطن تنظر بقلق بالغ إلى بروز التيار الشيعي على هذا النحو من القوة في العراق، وهي تحمل بشكل أو آخر إيران مسئولية ذلك في وقت ترفض فيه واشنطن إعادة تأسيس العراق على أسس دينية على غرار النظام في إيران ، وهي في جميع الأحوال تفضل عليه النموذج التركي الموصوف بالمعتدل. معادلة مركبة امام هذه المعادلة المركبة ، لعل السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو كيف ستتصرف إيران حيال الاستحقاقات الاميركية بخصوص مصير العراق ومستقبله ؟ في الواقع ، بقدر ما تبدو السياسة الإيرانية في موقع التضاد للسياسة الاميركية من الناحية الإيديولوجية، الا انها في الممارسة السياسية تبدو مفتوحة على الخيارات السياسية الممكنة وتحديدا تلك المرتبطة بالمصالح الإيرانية، فطهران المنشغلة بضبط هندستها الداخلية على وقع مخاطر الاحتلال الاميركي للعراق وتداعيات هذا الاحتلال على أمنها وأمن دول المنطقة، تحرص على إبقاء خطوطها مفتوحة على جميع الاتجاهات، ولعل هذا ما دفع بالبعض إلى الحديث عن إمكانية تكرار نموذج التعاون الإيراني - الاميركي في أفغانستان في العراق الا ان مثل هذه الرؤية تفتقر إلى فهم حساسية العراق بالنسبة لإيران وسياستها وتركيبتها السكانية وعلاقتها الروحية بأرض العراق حيث العتبات الشيعية المقدسة في كربلاء والنجف وغيرها من المناطق العراقية،فضلا عن العلاقة السياسية والأمنية القوية التي تربط بين طهران ومعظم أحزاب الشيعة في العراق. مع ان إيران تحرص على عدم الظهور بمظهر المعادي للولايات المتحدة على الأقل في هذه المرحلة الصعبة، الا ان امام الإحساس الكبير بفداحة المخاطر على بنيتها السياسية والأمنية والاجتماعية، فانها في مواجهة هذا الوضع ستسعى إلى تكثيف حركتها باتجاه أنقرة ودمشق والرياض والعمل من أجل التنسيق مع هذه العواصم وكذلك بعض العواصم الأوروبية بغية وضع تصورات إقليمية مشتركة إزاء مخاطر الاحتلال الاميركي للعراق وتداعيات هذا الاحتلال على أمن المنطقة والعمل من أجل تمرير المرحلة بأقل الخسائر وقطع الطريق امام السيناريوهات الاميركية التي بدأت تتحدث عن هذا البلد أو ذاك كهدف ثان بعد العراق ، ولكن ماذا لو أعطت واشنطن الضوء الأخضر لأنقرة للقيام بدور حيوي في مستقبل العراق انطلاقا من العلاقة الاميركية- التركية الاستراتيجية ؟ في الواقع مثل هذا الأمر ليس ببعيد عن سياسة واشنطن التي ما تزال ترى في أنقرة حليفة لها على الرغم من شبه الأزمة الأخيرة في علاقات الجانبين بسبب الموقف التركي من الحرب على العراق والعراقيل التي وضعتها أنقرة امام واشنطن والتي حالت في النهاية دون فتح جبهة ثانية في الشمال انطلاقا من الأراضي التركية. وإذا ما سارت الأمور في هذا الاتجاه انطلاقا من الحسابات الاميركية فكيف ستتصرف طهران ؟ قد لا يبدو الأمر واضحا لكن المخططات الاستراتيجية الاميركية ليست بعيدة عن هذا الأمر طالما انها تريد السيطرة على المنطقة من خلال اضعاف دولها وتفكيكها لصالح المشروع الاميركي الذي يستهدف الجميع ، فواشنطن في مواجهة لجوء دول المنطقة إلى التنسيق للحد من مخاطر الاحتلال الاميركي للعراق على أمن المنطقة قد تلجأ إلى وضع هذه الدول في مواجهة بعضها البعض لا بهدف إفشال التنسيق الإقليمي بين هذه الدول فقط بل لتنفيذ مخططاتها انطلاقا من العراق. ـ كاتب سوري