الاربعاء 28 صفر 1424 هـ الموافق 30 ابريل 2003 طلب الخليفة ابو جعفر المنصور من الامام مالك تأليف كتاب سهل الفهم يلزم الناس به، فقال له الامام: ان اصحاب الرسول سمعوا منه ما سمعوا وتفرقوا في الامصار وكل حدث بما سمع. خرج الموطأ الى الوجود، وحفظ اسم صاحبه وسارت الركبان بفضله، وتحلق الناس لقراءته من ارض شنقيط وحتى تمبكتو في وسط الصحراء الافريقية الكبرى مرورا بخلوات السودان وجامعات القاهرة وحفظه اطفال اليمن وعلماء الشام وصوفية الهند وافتخر به طلبة العلم في قازان وبخارى وسمرقند مع انه لم يستند الى سلطة دنيوية لنشره ولم يجبر احد الناس على قراءته. هل كان الامام مالك يعلم وهو يعارض الخليفة المنصور انه سيكون اول من منع اجبار الناس على تبني رأي واحد ؟ وهل كان يحارب فرض ايديولوجية واحدة عليهم حتى وان كانت اسلامية؟ هناك خلل في فهم دور مؤسسة الحكم في عالمنا العربي والاسلامي، وهناك خلل في فهم دور الاحزاب التي يحمل اغلبيتها ايديولوجية تريد فرضها على الاخرين. يطالب العديد من الناس ان تكون حكوماتهم نسخة عما يدور في عقولهم، فالليبراليون يريدون حكومة تبطش بالاسلاميين وتبعدهم عن كراسي السلطة وتفتح الباب على مصراعيه امام التأثير الغربي والمناداة بالارتماء في احضان الحضارة الغربية وتبنيها بكل سلبياتها وايجابياتها. والاسلاميون يريدون حكومة اسلامية بحته تحارب كل ماهو غربي وتنعزل في كيانها الصغير ملقية بمستقبلها ومقدراتها امام مشايخها الذين يجب ان يكون لهم دور في كل صغيرة وكبيرة من نواحي الحياة. الحكومات العربية والاسلامية بمجملها تريد شعوبا تتبنى منهجها وتفكيرها، فالبعثية منها تريد ان تسمع اطفال المدارس يرددون شعاراتها ويحفظون مقولات قادتها ويدرسون ادبياتها، والقومية منها تريد كل من هم تحت ادارتها ان يكونوا قوميين حتى النخاع، والليبرالية منها تحارب حتى حجاب العجائز وتغلق المساجد وتحجم دور الدين ليكون جزءا من تراث ثقافي ليس اكثر. حدثني صديق له من الثقافة والعلم ما يفتخر به، انه ذهب الى حلاق الحي ليقص شعره، وكعادة الحلاقين حين يكثرون الكلام شرع في الحديث عن مدى ولائه للحزب الحاكم وكيف ان له دور في ادارة الحي ضمن الكادر الحزبي ، ثم طلب من صديقنا المثقف ان ينضم للحزب وقال انه سيتوسط له ليحصل على منصب مرموق فيه، فما كان من صديقنا سوى ان طلب منه الاسراع في القص، وخرج من الدكان لاعنا الحزب والحلاق معا. في احدى الدول العربية يجبر خريجو الثانوية العامة من الذكور والاناث على حضور معسكرات للشبيبة حتى يسمح لهم بدخول الجامعات بعد ذلك، حيث يتم غسل ادمغتهم وتغيير مفاهيم بديهية يعتبرها الحزب الحاكم بائدة مثل العفة والعرض والطهارة، فهل هذا هو دور مؤسسة الحكم؟ مؤسسة الحكم يجب ان يكون لها دور عام في حفظ الامن ونشر العدل وتحقيق مصالح الناس ومراعاة شئونهم العامة والخاصة وتوفير متطلبات حياتهم، ويجب ألا يطلب منها اكثر من ذلك، فلا يجب ان يطلب من مؤسسة الحكم ان تكون اسلامية او ليبرالية او قومية مثلا ، وفي المقابل يجب ألا تطلب هذه المؤسسة من الناس ان يكونوا على رأي واحد او ايديولوجية واحدة. فالمانيا حين تبنت النازية ومبادئ الرايخ الثالث ادخلت نفسها في نفق مظلم لم تخرج منه سوى بدمارها، واليابان حين ظنت انها تحكم تحت ظل الهة الشمس استعدت كل الدول المجاورة ودخلت في معارك عنيفة لم ينهها سوى قنبلتين ذريتين اودتا بمئات الالوف من البشر، والاتحاد اليوغوسلافي لم يصمد بعد موت تيتو لانه قام على خلفية ايديولوجية متطرفة، والاتحاد السوفييتي السابق مات بالسكتة القلبية المفاجئة لانه ولد بقلب ضعيف لا يتحمل الاخرين. الناس خلقوا مختلفين عقلا وشكلا ولا بد من استيعابهم على شرط ان يستوعبوا هم الاخرين، فكل الدول التي قامت على خلفية عرقية او ايديولوجية قد ذهبت ولم يبق سوى تلك التي استوعبت التنوع العرقي والديني وتبنت التسامح منهجا في تعاملها مع ذاتها ومع الاخرين. ـ رئيس تحرير «الجزيرة نت»