الاربعاء 28 صفر 1424 هـ الموافق 30 ابريل 2003 من المتوقع ان تفرج الادارة الاميركية هذا الاسبوع عن ما بات يعرف اصطلاحاً ب«خريطة الطريق» اذا لم تنجح اسرائيل في اقناعها بتأجيل آخر يضاف الى سلسلة التأجيلات السابقة، ومع ان مضمون هذه الخريطة اصبح معروفاً ومتداولاً، وهو لا يختلف كثيرا عن اقتراحات عديدة سابقة قدمتها الولايات المتحدة لتسوية الصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي وفقاً لمنظور الدولة العبرية، لكن واشنطن تحاول ان تظهر اعلان الخريطة الآن، في حد ذاته، وكأنه انجاز كبير ينبغي الترحيب به والتسبيح بحمد الولايات المتحدة من اجله. وحتى يكون لهذا «الحدث» وقعه المطلوب فقد جرى ربطه باحداث تغيير جوهري في هرم السلطة الوطنية الفلسطينية وفي النظام السياسي يتم بموجبه التحول من النظام الرئاسي الى النظام البرلماني، مع اشتراط ان يتولى محمود عباس «ابو مازن» رئاسة الحكومة «وهو المنصب الجديد المستحدث» بينما تسند مسئولية الشئون الامنية الى العقيد محمد دحلان. وفي الواقع فإن صدور الخريطة عن اللجنة الرباعية الدولية التي تضم، بالاضافة الى الولايات المتحدة، كلا من الاتحاد الاوروبي وروسيا والامم المتحدة، لم يخف حقيقة ان النص يعكس «رؤية» الرئيس الاميركي جورج بوش كما عبر عنها في تصريحات وخطب عديدة سابقة، بما في ذلك «وعده» بقيام «دولة فلسطينية قابلة للحياة» في عام 2005. كما لم تمنع هذه المشاركة الدولية الادارة الاميركية من احتجاز الخريطة لعدة اشهر والامتناع عن ابلاغها للطرفين المعنيين: السلطة الوطنية الفلسطينية واسرائيل، برغم الالحاح المستمر من «الشركاء» الثلاثة على واشنطن للتقدم الى الامام بدلاً من بقاء الجميع تحت رحمة التصعيد الذي يحدثه الاحتلال الاسرائيلي وجرائمه اليومية ضد الفلسطينيين من جهة، وردود فعل المقاومة الفلسطينية في مواجهة الاحتلال من جهة اخرى. ولعل العبرة المستخلصة من ذلك هي ان هذا الخلل السياسي في ميزان القوى داخل اللجنة الرباعية الدولية يقود بالضرورة الى تغليب وجهة النظر الاميركية المنحازة كلياً لاسرائيل، مثلا يقود الخلل العسكري في ميزان القوى على الارض بين الاسرائيليين والفلسطينيين الى ا ستمرار عملية التنكيل الوحشية بالشعب الفلسطيني، والى وصم مقاومة هذا الشعب دفاعاً عن نفسه ب«الارهاب». وهذا الخلل المزدوج يؤشر بوضوح الى مقدار جدوى العملية السلمية الجديدة التي توشك على الانطلاق، خصوصاً في ظل نتائج الغزو الاميركي للعراق واعتبار الحكومة الاسرائيلية نفسها طرفاً في مشروع التوسع الذي تنفذه الولايات المتحدة في منطقة الشرق الاوسط. الشعب المتهم دائماً وتبين من ملابسات اعداد «خريطة الطريق» ثم التلويح بالافراج عنها، وكذلك تشكيل الحكومة الفلسطينية الجديدة بعد تجاوز عقدة وزارة الداخلية، ان هناك حرصاً على تحميل الجانب الفلسطيني كامل المسئولية لا عن تأخير اعلان الخريطة رسمياً حتى الآن فحسب، بل وايضا عن وصفها في الصيغة الراهنة، بحيث يأتي وقف ما يسمى «الارهاب» الفلسطيني شرطاً لازماً لابد ان يسبق اي خطوة اخرى على صعيد استئناف المفاوضات السياسية والامنية بين الجانبين. وتحت ضغط هذه المسئولية ستجد الحكومة الفلسطينية الجديدة نفسها امام مهمة رئيسية، وربما وحيدة، تتمثل في القبول بتصنيف منظمات المقاومة الفلسطينية على انها حركات ارهابية ينبغي قمعها بالقوة وحملها على تسليم اسلحتها والناشطين فيها، وبالتالي مواجهة خطر الدخول معها في حرب اهلية مدمرة، وهذا بالضبط ما تريده الحكومة الاسرائيلية وما تسعى اليه. فخطة «خريطة الطريق» تشتمل على ثلاث مراحل، تركز الاولى منها على معالجة ما تسميه مشكلة «الارهاب» الفلسطيني، والمقصود بذلك انهاء كل شكل من اشكال المقاومة الوطنية ضد الاحتلال الاسرائيلي، اي الانتفاضة الحالية بمختلف تعبيراتها وتجلياتها، بما في ذلك التحريض السياسي والاعلامي. ووفقاً للتفسير الاسرائيلي، المؤيد دائماً من قبل الادارة الاميركية، فإنه لا يمكن الانتقال من المرحلة الاولى للخطة الى ما يليها مما يتعلق بالخطوات المتوازية، من دون التنفيذ الكامل والدقيق لبند «مكافحة الارهاب» وذلك لاختبار مدى التزام الحكومة الفلسطينية، او قدرتها على تنفيذ التزاماتها ليس وفقاً للنص الحرفي الوارد في «الخريطة» فقط، وانما بحسب القراءة الاسرائيلية، والتفسير الاسرائيلي، والنوايا التي يعبر عنها رموز التطرف في الحكومة الشارونية: قولاً وفعلاً، وبوتيرة يومية متصاعدة. وعلى ذلك فإن اكثر المحللين تفاؤلاً لا يتوقعون ان تتجاوز الجهود الدولية «الحاجز الامني» الذي وضعته اسرائيل في مستهل «خريطة الطريق» تحت مسمى «مكافحة الارهاب» لان تجاوزه، ووفقاً للشروط الاسرائيلية، يعني قبول الحكومة الفلسطينية بخيار الحرب الاهلية، ان كان ذلك يستحق ان يسمى «خياراً» قابلاً للبحث والنقاش والتداول. اعتبارات اميركية وهذا الانسداد الكامل أمام «خريطة الطريق» مرده الى اعتبارات اميركية أولاً، ولأن التعنت الاسرائيلي ناتج، في الاساس، عن رفض الولايات المتحدة القيام بدورها الحقيقي كوسيط نزيه بين الاطراف المتنازعة وفقاً للمباديء التي ارساها مؤتمر مدريد عام 1991. فما هي هذه الاعتبارات الاميركية؟ ـ أولاً، لابد من الاخذ في الاعتبار العلاقة الاستراتيجية القائمة بين الولايات المتحدة واسرائيل، والتي مكنت الدولة العبرية من انتهاك جميع القرارات الدولية المتعلقة بتسوية القضية الفلسطينية. ـ ثانياً، من الواضح ان هذه العلاقة ازدادت رسوخاً وتداخلاً في اعقاب احداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، حيث نجحت اسرائيل في ان تجعل من نفسها شريكاً كاملاً فيما يسمى «مكافحة الارهاب» سواء على الصعيد العالمي او على الصعيد الاقليمي. ولم تكن الحكومة الاسرائيلية، في حاجة الى جهد كبير لاقناع الادارة الاميركية، ان ما تقوم به في الاراضي الفلسطينية المحتلة انما يدخل في اطار «مكافحة الارهاب» بل على العكس من ذلك فقد لاقى هذا «الربط السببي» تأييداً وتشجيعاً ودعماً من صقور البيت الابيض تجلى باطلاق يد ارييل شارون في الاراضي الفلسطينية المحتلة، قتلاً وتدميراً وتخريباً منهجياً للبنية التحتية في مناطق الاحتلال والغاءً كاملاً لكل ما نصت عليه القوانين الدولية والاعراف الانسانية. ـ ثالثاً، بالرغم من ان طبيعة المشاركة الاسرائيلية الفعلية في الحرب الاميركية على العراق لم تتضح تفاصيلها بعد، إلا ان اسرائيل تعتبر نفسها شريكة في هذه الحرب «والادارة الاميركية تقر بذلك» وتطلب ان يكون لها حصتها من نتائج الانتصار الذي تحقق، سواء في العراق نفسه، وهو ما سيأتي دوره لاحقا، او في ما تبقى من «الغنيمة» الفلسطينية. وثمة أمر جرى الاتفاق عليه سابقاً بين الادارة الاميركية وحكومة شارون وهو تأجيل اعلان «خريطة الطريق» الى ما بعد انتهاء الحرب على العراق كي تعكس الاجواء التي تجري فيها المفاوضات بين الاسرائيليين والفلسطينيين والجهود الدولية المرافقة حقيقة النتائج العسكرية والسياسية التي ستسفر عنها هذه الحرب. وليس هناك ما يدعو الى الاعتقاد الآن، وبعد ان تطابقت نتائج الحرب مع حسابات واشنطن «حتى الآن على الاقل» بأن الدعم الاميركي لاسرائيل سيكون اقل مما عرفه العالم في الماضي، وتبعاً لذلك ليس ثمة ما يحمل على توهم امكانية ان يصبح الموقف الاسرائيلي اقل تعنتاً وعدوانية وانتهاكاً لحقوق الشعب الفلسطينية والمباديء الشرعية الدولية. وسيظل من المفيد التذكير بأن اسرائيل تريد من الفلسطينيين استسلاماً كاملاً وتنازلاً عن حقوقهم الاساسية، لاسيما حق العودة، فضلاً عن القبول بكيان فلسطيني، اراد الرئيس جورج بوش ان يسميه «دولة» في حين ان عشرات المستوطنات المنتشرة في الضفة الغربية وقطاع غزة ستحول دون اي تواصل بين اجزاء هذا الكيان، وهو ما يسقط عنه صفة «الدولة المستقلة القابلة للحياة» بحسب تعبير الرئيس الاميركي. هموم بوش وأولوياته ـ رابعاَ، ان الهاجس الذي يسيطر على الرئيس جورج بوش حالياً هو الانتخابات التي ستجري في العام المقبل، ومن الطبيعي القول ان بوش الابن، وهو يسعى الى تجديد ولايته لمرة ثانية، يحاول تجنب الاخطاء التي وقع فيها والده وحرمته من تجديد ولايته عام 1992، ومن بين هذه الاخطاء اجبار الحكومة الاسرائيلية ـ آنذاك ـ على الذهاب الى مدريد والمشاركة في اطلاق عملية التسوية السلمية، برغم معارضتها الشديدة لذلك. وربما دفعت تلك الخطوة اللوبي اليهودي في واشنطن الى العمل ضد بوش الأب بحيث يؤدي سقوطه الى اسقاط مشروعه وتعهداته تجاه الدول العربية التي ساندت حربه الخليجية الثانية. وعلى ذلك، يمكن الجزم بأن الادارة الاميركية غير مهتمة بتحقيق تسوية سلمية عاجلة للصراع العربي ـ الاسرائيلي اذا لم تستجب هذه التسوية كلياً للشروط الاسرائيلية، فضلاً عن ان ادارة بوش لا تجد نفسها بحاجة الى استرضاء اي دولة عربية بعد ان فقدت هذه الدول تأثيرها في الحرب الاميركية الاخيرة على العراق. ـ خامساً، ان توفير الاستقرار للاحتلال الاميركي للعراق يحتل اولوية مطلقة بالنسبة لادارة الرئيس بوش، ومن الطبيعي القول ان هذه الادارة لن تكون مهتمة إلا بما يحقق لها هذا الهدف الاستراتيجي. ان التحليل المنطقي ينبغي ان يقود الى الاستنتاج بان للولايات المتحدة مصلحة في تحقيق الهدوء على الجبهة الفلسطينية التي كانت دائما ولاتزال سبباً رئيسياً من اسباب العنف والتوتر في المنطقة، ومبرراً شرعياً لحالة العداء المستفحلة ضد الولايات المتحدة في العالمين العربي والاسلامي. والحال فإن لاميركا مصلحة اكبر الآن في تهدئة المشاعر العربية والاسلامية ضدها بعد ان اصبحت دولة احتلال، كاسرائيل تماماً، وتفرض وجودها العسكري على احد اكبر الدول العربية واغناها. بيد ان العامل الاسرائيلي يعطل كل احتمال لبروز سياسة اميركية جديدة، معتدلة ونزيهة وتخضع للمنطق السياسي الطبيعي. وانطلاقاً من ذلك يمكن اعتبار اعلان «خريطة الطريق» الآن مجرد محاولة لارضاء الاطراف الدولية التي شاركت في اعداد الخطة من جهة، ولإلهاء الاطراف المهتمة بالموضوع الفلسطيني من جهة اخرى، فلا العلاقات الاميركية ـ الدولية الراهنة مع الاتحاد الاوروبي وروسيا والامم المتحدة تسمح بالاتفاق على حلول حقيقية وجدية لأزمة الشرق الاوسط، ولا العلاقات الاميركية ـ العربية، تستند الى ارضية صلبة من التعاون والثقة تصلح لبناء تفاهم مستقبلي فوقها. ولذا سيتعين على الجانب الفلسطيني ان يواجه هذه التجربة الصعبة منفرداً، ومن دون اية أوهام تتعلق بدعم قد يأتيه من هذه الجهة او تلك. وفي هذه الحالة يتساوى كل قادة الشعب الفلسطيني ورموزه الوطنية بالنسبة لاسرائيل: من ياسر عرفات الى محمود عباس.. والى كل من يرى في نفسه قدرة على تقديم شيء ما لشعبه في محنته الراهنة. فكل الفلسطينيين سواء عند الحكومة الاسرائيلية. ـ كاتب لبناني مقيم في فرنسا