الاربعاء 28 صفر 1424 هـ الموافق 30 ابريل 2003 على الخط الثاني من الهاتف اتاني صوت مشحون بالغضب العارم يحدثني عن سقوط الضمير ويحملني امانة شجب واستنكار العروض الهزيلة التي تقدمها الاقلام المأجورة ضد القيم والكرامة والانسان. ولم تعطني محدثتي ـ التي لم تدخر وسعاً لتصل اليّ وتعرفني بنفسها وتطلعني على حكمها بالادانة والعمالة لمن خانوا قضية الانسان العراقي وقايضوا على حقوقه ومصالحه ـ اية فرصة لتخفيف التوتر الشديد البادي عليها، ومساعدتها للسيطرة على نفسها، واستعادة شيء من الهدوء الذي فارقها على اثر اجتهادات القلم الاعرج وأحكامه الفاقدة للمصداقية والنزاهة!! وكانت تنتظر مني بعد ان افرغت ما في جعبتها من سهام ان اشاطرها الرأي في تحميل الاقلام الرخيصة وحدها جريمة المشاركة في اراقة الدماء التي مازالت تسيل حتى اللحظة على ارض العراق حين باركت الغزو وشدّت على ايدي الغزاة!! والرأي ان اختزال الوهن الذي نعاني منه اليوم في وهن الاقلام الضعيفة هو اختزال مخل، وتوجيه الاتهام لها وحدها دوناً عن بقية الشخوص والعوامل التي شكّلت المناخ الحالي، والتي هي من الكثرة والتداخل بحيث يصعب معها ان نبرئ ساحة الكثيرين ممن تواطأوا على الوصول بالاوضاع الى ما هي عليه اليوم، يعتبر عملاً غير مجد. فمن الثابت ان الكاتب جزء من كل، وفرع من اصل، وانعكاس لحالة، وصورة لجوهر. فإن كان الكل سليماً، والاصل باقياً، والحالة العامة في كامل عافيتها وقوتها، والجوهر ثميناً ونفيساً فإن مداد الاقلام سيمطر عطراً، وكل كلمة يسطرها القلم الحر ستزهر وروداً وتنبت رياحين، وستضيء تلك السطور العقول بالحكمة والبصيرة. اما ان كان المجتمع يسير بقدم واحدة، وينظر بعين واحدة ويفكر بطريقة سلبية، ويعاني من الفوضى السلوكية فإن الاقلام بطبيعة الحال ستتأرجح ما بين القوة والضعف، والشفافية والظلمة، والمصداقية والخيانة، والتدفق والجفاف، والصدق والكذب، بل وستظهر ألوان الطيف كلها لتشكيل صورة الاعلام المكتوب تبعاً لخارطة السلوك التي يرسمها افراد المجتمع، والتي تتباين درجاتها ما بين اللون الابيض المضيء وما بين الاسود المعتم وما يندرج بينهما من ألوان تقترب او تبتعد عن اللون الابيض الناصع. وعليه يستحيل ان نعزل الكاتب كيفما كانت هويته وانتماؤه، وكيفما كان وعيه وشعوره برسالة الكلمة عن مجتمعه لأنه في البدء والانتهاء ابن هذه الارض وأحد افرادها، سواء كان عاقاً بها ام باراً، وسواء سخر قلمه في نصرة قضاياها او تجرد من ضميره، وقايض بالقليل من العرض العاجل!! ان المحنة التي اشارت اليها القارئة الكريمة محنة امة بكاملها اختلط فيها الحابل بالنابل، والغث بالسمين، وتطايرت اوراق الصحف من بين يدي الشرفاء لتستقر في ايدي الادعياء فيعيدوا كتابتها بطريقتهم الملتوية، وينفثوا فيها من سمومهم ما يشاؤون. حتى اذا قرأها الفرد البسيط طاش عقله، وحار لبه وفقد بوصلة الامان، وشعر ان الارض تميد تحت قدميه، فلا هو مع الغزو ولا هو ضده. فالآراء المتباينة اصابته بالغبش ومنعت عنه الرؤية مما جعله عرضة لتبني الاراء الفاقدة للمصداقية والدفاع عنها. ان هذا الفراغ الفكري والقصور في التعامل مع معطيات الواقع بأفق واسع هو الذي شجع كتّاب الطابور الخامس ليقولوا ما يشاؤون دون خوف او خجل. فلو كانت المجتمعات العربية على درجة متقدمة من الوعي لما خرج من بينها من يدعو الى التخلي عن المقاومة والرضا بالخيار الادنى، ولتوارت الاقلام الضعيفة واحتجبت عن الظهور، ولشعرت بالخزي والعار من الاصطياد في الماء العكر، والمتاجرة بالقضايا العامة وتحويلها الى (بازار) اعلامي يمارس فيه البيع والشراء على مرأى من اعين الجميع. ان استقلالية القلم من استقلالية الفكر النابض في الامة، وبمقدار صعود هذا الفكر وقوته يصعد القلم الى درجات عليا يكون فيها حارساً اميناً لمقدرات الامة ومكتسباتها المادية والمعنوية على حد سواء. m-alnaymi@maktoob.com