الثلاثاء 27 صفر 1424 هـ الموافق 29 ابريل 2003 سئل بزرجمهر عن العقل فقال: ترك ما لا يعني. فسئل: فما الحزم؟ قال: انتهاز الفرصة. قيل: فما الحلم؟ قال: العفو عند المقدرة. قيل: فما الشدة؟ قال: ملك الغضب. قيل: فما الخرق؟ قال: حب مغرق وبغض مفرط. وقيل لبعض الملوك، وقد بلغ في المنزلة والقدرة ما لم يبلغه احد من ملوك زمانه: ما الذي بلغ بك هذه المنزلة؟ قال: عفوي عند قدرتي وليني عند شدتي، وبذلي الانصاف ولومي نفسي وابقائي في الحب والبغض مكانا لموضع الاستبدال. وقال الاسكندر لبعض الحكماء وقد أراد سفرا ارشدني لاحزم امري. قال: لا تملكن قلبك محبة الشيء ولا يستولين عليك بغضه، واجعلهما قصدا فان القلب كاسمه يتقلب وله خاصية تنزع وترجع، واجعل وزيرك التثبت وسميرك التيقظ، ولا تقدم الا بعد المشورة فانها نعم الدليل، واذا فعلت ذلك ملكت قلوب رعيتك ملك استعباد، قال الشاعر: وما سمي لانسان الا لنسيه ولا القلب الا انه يتقلب وقيل لبعض الحكماء: ما الدليل الناصح؟ قال: غريزة العقل مع الطبع. قيل: فما القائد المشفق؟ قال: حسن المنطق. قيل: فما العياء المعي؟ قال: تطييعك من لا طبع له. وقال الفضل بن مروان: سألت رسول ملك الروم عن سيرة ملكهم فقال: بذل عرفه وجرد سيفه، فاجتمعت عليه القلوب رغبة ورهبة، لا يهضم جنده ولا يحرج رعيته سهل النوال حزن النكال، الرجاء والخوف معقودان في يده. قلت: فكيف حكمه؟ قال: يرد الظلم ويردع الظالم ويعطي كل ذي حق حقه، فالرعية اثنان راض ومغتبط. قلت: فكيف هيبتهم له، قال يتصور في القلوب فتغضي له العيون. قال: فنظر رسول ملك الحبشة الى اصغائي اليه واقبالي عليه، وكانت الرسل تنزل عندي فقال لترجمانه: ما الذي يقول الرومي؟ قال: يصف له ملكهم ويذكر سيرته. فكلم الترجمان بشيء فقال لي الترجمان: انه يقول ان ملكهم ذو اناة عند القدرة وذو حلم عند الغضب، وذو سطوة عند المغالبة وذو عقوبة عند الاحترام، قد كسا رعيته جميل نعمته وقصرهم بعنيف عقوبته، فهم يتراءونه ترائي الهلال خيالا ويخافونه مخافة الموت نكالا، وقد وسعهم عدله وردعتهم سطوته وبأسه، فلا يمتهنه مرحه ولا يوثقه عقله. اذا اعطى اوسع واذا عاقب اوجع، فالناس اثنان راج وخائف، فلا الراجي خائب الامل ولا الخائف بعيد الاجل. قلت: فكيف رهبتهم له؟ قال: لا ترفع اليه العيون اجفانها ولا تتبعه الابصار انسانها، كأن رعيته قطا فرقت عليها صقور صوائد. ابو صخر abusakher@albayan.co.ae