الثلاثاء 27 صفر 1424 هـ الموافق 29 ابريل 2003 أتمنى ان يأتي ذلك اليوم الذي اتمشى فيه بحريتي في شوارع القاهرة، واتبضع من خان (الخليلي) هذه ليست امنية مواطن عربي، لكنها امنية امرأة اعتبرت ذات يوم العدو الاكثر شراسة للعرب خلال صراعهم مع اسرائيل، تلك هي غولدا مائير رئيسة الوزراء الاسرائيلية في الستينيات وخلال حرب 1967، وخطورة الامنية، انها لم تكن امنية عادية يحلم بها انسان غربي عادي مغرم بالآثار المصرية، لقد كانت وما زالت حجر الزاوية في الفكر الصهيوني القائم على التوسع والاجتثاث والوقوف في وجه كل مشروع عربي يهدف الى اعادة جمع الجسد العربي المتناثر في كل الاتجاهات! وأمنية اخرى يطلقها الصهيوني الاكثر تلوناً ونفاقاً بين وزراء الدولة العبرية شيمون بيريز عندما كان في المغرب عام 1994 اثناء انعقاد المؤتمر التطبيعي الاول في الدار البيضاء، يومها قال لجلسائه من العرب والاسرائيليين المسترخين معه في احد مقاهي المدينة (لقد جرب العرب ممثلين في الجامعة العربية كل انواع القيادات والتجارب الفاشلة خلال خمسين عاما وقد آن الاوان ليعترفوا بفشلهم ويجربوا قيادة «إسرائيل»). ليس غريبا ان تتناغم رموز الفكر والسياسة الاسرائيلية مع بعضها، وليس غريبا ان يتفقوا على ضرب اي مشروع عربي قومي في المنطقة وهم المؤمنون والمتفانون على تحقيق الحلم الصهيوني (من النيل الى الفرات يمتد ملكك يا اسرائيل) وها هي المنطقة العربية الممتدة من النيل الى الفرات تعبث فيها (اسرائيل) فعلا وحقيقة وليس مجرد امنيات، وها هو السائح (الاسرائيلي) يتبضع فعلا من خان الخليلي بعدما كانت (مائير) تحلم بهذا الحدث في الستينيات، وها هم الاسرائيليون يمارسون تدخلاتهم في جنوب السودان ويفرضون املاءاتهم في العراق وسوريا ويحطمون البقية الباقية من الحلم الفلسطيني، ليس غريبا ان يصل الاسرائيليون الى ما وصلوا اليه، لانهم وجدوا في العرب ـ للاسف ـ من يعينهم على تحقيق ما يحلمون به. لقد كسرنا وحدتنا، حطمنا مشاريعنا القومية بأيدينا بالجهل مرة، وبالغباء السياسي مرة، وبالعناد وسوء تقدير البعض للمواقف والتحديات مرة ثالثة، وها نحن اليوم نزايد على هدم أحد أهم الرموز التي تجمعنا وتشكل مظلتنا في زمن الفرقة الساطع، ها نحن ساسة وانظمة ومثقفين بدل ان نرقى بالجامعة العربية ونطور آليات عملها، ونفعل قراراتها ونقويها ونعيد هيكلتها المتآكلة، اننا بدل ذلك نغتال فكرتها ووجودها من الاساس ونهدمها وننسحب منها ببساطة، وما الهجمة الشرسة على عمرو موسى الامين العام للجامعة سوى احد ابرز عناوين سوء تقدير المواقف. فإلى كل الذين هاجموا وما زالوا يهاجمون عمرو موسى نسأل: هل حقا انكم تهاجمونه لانه زار العراق، وقال كلمة حق في أهله وحاول اطفاء الفتنة بين دولتين عضوين في الجامعة: العراق والكويت، وقدم اقتراحا للتقارب بينهما؟ هل لانه رفض ان يطلق عليه الاخوة في الكويت مسمى موظف؟ هل ... وهل ..؟ اذا كنتم تهاجمونه لهذا السبب فاسمحوا لنا ان نقول بأنه لا حق لكم في الهجوم فالرجل كان يمارس دوره ويؤدي مهام (وظيفته) اما انه زار العراق والتقى بصدام، فذلك كان بتشاور الجميع وبعلمهم ولم يكن الرجل يغرد في سرب بمفرده، لكن موسى على الاقل لم يقبض كغيره من صدام حسين، ولم يقل فيه شعرا كما فعل البعض من العرب المعروفين، ولم يدبج فيه مقالات المديح والتأليه كما كتب بعض رموز الصحافة في الكويت نفسها! اذن فلماذا الغضب من عمرو موسى؟ ولنفترض بأن هناك خلافا في الرأي بينه وبين أي مواطن عربي، فان ذلك طبيعي جدا ولا يستدعي هذا الهجوم المنظم واللامبرر في الوقت نفسه، اننا لا نفعل اكثر من تحطيم البقية الباقية من بيتنا ومشروعنا مما لم تستطع تحطيمه (اسرائيل) وحليفتها القوة العظمى، اننا نكسر انفسنا اكثر في زمن الانكسار الاكبر بينما نحن بحاجة الى لم الشمل، واعادة النظر، والاعتبار مما حدث، المشكلة ليست في عمرو موسى أبدا المشكلة فينا شعوبا وانظمة وساسة ومثقفين، وعليه فمن المعيب ان نحمل الرجل أوزار أمة دخلت في اقسى مراحل تيهها، ومن المخجل ان نتحدث عنه بما نقرأ ونسمع وهو العربي المعروف بمواقفه القومية التي لا يمكن نسيانها. علينا ان نكبر على ذلك فالذي يراد لنا اخطر مما نتصور وامنيات الصهاينة لن تتوقف، في اجتثاثنا من الوجود، وللاسف فنحن نساعدهم لا اكثر. Aishasultan@hotmail.com